آنا كارينينا كـحقيقة ذات أهمية خاصة

ماذا سأكتب عن الروائي الكبير تولستوي ورائعته الخالدة آنا كارينينا؟ بحق, أنا لا أعرف الآن عن ماذا أكتب بعد أن انتهيت من آنا كارينينا, والتي ستكون خاتمة قراءتي للروايات هذه السنة.

أنا أعرف تولستوي المفكر, الفيلسوف, وداعية السلام, ولكن لا أعرف من هو تولستوي الروائي. كانت تجربتي الأولى مع تولستوي في بداية عشقي لقراءة الرواية. قبل سنتين في منتدى الإقلاع سألت الأصدقاء عن رواية الحرب والسلم ذات الأربع مجلدات الكبيرة الحجم, كان سؤالي منصباً في نقطة واحدة, هل هذا العمل يستحق القراءة؟ يجب أن أوضح أني طرحت السؤال بعد أن حصلت على كامل مجلدات الحرب والسلم. لقيت تشجيعاً آنذاك لقراءة الرواية, وقررت بتهور وبدون تعقل أن أبدأ بقراءة الحرب والسلم. ارتكبت خطأً جسيماً بقراءة الحرب والسلم إذ كنت معتاداً آنذاك على قراءة أعمال لا تتعدى الثلاثمائة صفحة, كيف تجرأت على قراءة عمل عدد صفحاته أكثر من ألفين وخمسمائة صفحة؟ لا أعلم, ورغم ذلك بدأت القراءة, وتوقفت عند الصفحة المائتين وأنا ساخط على تولستوي وعلى أسلوبه وطريقته في الكتابة, وروايته التي توصف بإلياذة العصور الحديثة ولم أراها إلا شيئاً عادياً لا يستحق القراءة.

تركت تولستوي, ولم أكن قد طرقت باب الأدب الروسي من قبل. ولكن, لماذا يوصف الأدب الروسي بالأدب العظيم ؟ لماذا أدبائهم يشار إليهم بالبنان و شهرتهم تخطت الآفاق وأصبحوا مثالاً للروائيين العظام الخالدين؟ لماذا لم تعجبني الحرب والسلم؟


هذه الأسئلة كانت في ذهني بشكل مستمر. حاولت أن أجد مدخل لقراءة الأدب الروسي ولم أجد أجمل من الروائي الكبير مكسيم غوركي, سليل نوفجراد المُرّة. إن مكسيم غوركي هو البوابة الحقيقية الأولى للأدب الروسي الخالد. من خلال سيرته الثلاثية, طفولتي, وبين الناس, وجامعياتي, وروايته الخالدة الأم ستعرف كيف يكتب الأديب والإنسان الروسي عن الإنسان, والعمال, والفقراء, والمساكين, والعائلة, والنبلاء, والثوار.

انتهيت من مكسيم غوركي وأنا في غاية الفرح لدخولي الأدب الروسي مع ملاحظة بسيطة أثارت إهتمامي جداً, وهي الصور الأدبية لمكسيم غوركي عن تولستوي. عادت إلي صورة تولتسوي بعد أن تخليت عن قراءة أعماله. في أحد مجلداته المترجمة للعربية من دار رادوغا قرأت ملاحظات لغوركي عن معلمه تولستوي. يقول فيها: صعقني قول غريب في اليوميات التي أعطاني إياها تولستوي, تلك العبارة هي الله هو أمنيتي. حينما استوضحته عن معنى هذه الأمنية قال: فكرة غير مكتملة, لا بد أني قصدت إلى القول, الله هم أمنيتي كيما أدركه .. لا , ليس هذا ..

كان تولستوي حسب تصور غوركي, ومن أحاديث جانبية بينهما تشغله فكرة الله حتى تكدر صفاء ذهنه. ويلوح أنها ليست فكرة, بل مقاومة عنيفة لشيء يشعر أنه محكوم به. كانت أحاديثه المفضله الله و الفلاح و المرأة. ونادراً ما يتحدث عن الأدب. يقول تولستوي في بعض أقواله المذكورة في ملاحظات غوركي: ماذا نقصد عندما نقول أننا نعرف؟ أعرف أنني تولستوي, ولي زوجة, وأولاد, وشائب الشعر, وقبيح الوجه, ولي لحية. وهذا كله مدون في جواز سفري. ولكنهم لا يدلفون إلى الروح في جوازات السفر! كل ما أعرفه عن روحي أنها تتوق إلى الاقتراب من الله. لكن ما هو الله ؟ هذا الذي روحي هي ذرة منه. هذا هو كل شيء. كل من تعلم أن يفكر يكتشف أن من الصعوبة أن يؤمن, ولكن المرء لا يستطيع إلا أن يحيا بالله عن طريق الإيمان.

أثارت هذه الأحاديث في نفسي شيئاً لقراءة تولستوي من جديد, ولكن لم أعقد العزم أو أفكر بقراءته من جديد في الوقت الحالي. البوابة الثانية لدخولي ميدان الأدب الروسي كانت عبر الروائي الكبير فيدور دستويفسكي. إن مجرد ذكر اسم هذا الروسي يبعث في نفسي التعطش للمعرفة أكثر عن هذا الإنسان الأديب, وعالم النفس الكبير. القراءة له يعني أنك دخلت في أعماق الأدب الروسي الأصيل. أنا متأكد أنك ستجد عنده بعضاً من تلك الأفكار الدفينة التي لا تجسر على الإسرار بها حتى لنفسك، وأقل من ذلك لصديق قريب. عندما يمنحك هذا الرجل الذي اعترفت له بكل أعماقك غفرانه, عندما يقول لك: آمن بالخير، آمن بالله، آمن بنفسك، فمن المؤكد أن في ذلك شيئا يسمو على تحليق الفنان أمام الجمال، شيئا يتجاوز عظات ذلك النبي المتجبر، المنعزل عن الجميع.

أثناء بحثي في سيرة دستويفسكي ظهر لي من جديد تولستوي ثلاث مرات على الأقل. عندما قرأت مذكرات زوجة دستويفسكي آنا غريغورريفنا شاهدت أعمال تولستوي تؤثر في حياة دستويفسكي الشخصية, وفي آراءه الأدبية. عندما كانت زوجة الروائي حاملاً أخفى دستويفسكي عن زوجته أحد مجلدات رواية لتولستوي يصف فيها وفاة زوجة أحد أبطال الرواية أثناء الولادة. فقط, لمجرد أن الوصف الفني البارع كان مذهلاً ورائعاً. كان هذا هو تأثير تولستوي في حياة دستويفسكي الشخصية, أما بالنسبة لرأيه الأدبي فيكفي هذا القول لدستويفسكي في مذكرات زوجته عن رواية تولستوي آنا كارينينا. كان يقول أن: آنا كارينينا هي الكمال الروسي كإنتاج أدبي, ولا يمكن مقارنته بأي عمل آخر في الأدب الأوروبي. إنها رواية لم يُسمع بمثلها من قبل, إنها الأولى, ولا يمكن لأي كاتب من الكتاب الروس أن يكتب عملاً يساويها. من في أوروبا يستطيع أن ينتج شيئاً مماثلاً؟ بل هل كان في أدب الأوربيين خلال السنوات الماضية وقبلها بكثير إنتاج أدبي يضاهيها ؟

إن حديث دستويفسكي يجبرك على قراءة آنا كارينينا بلا تردد. هذه السنة أصبحت أكثر شغفاً واستعداداً لقراءة الأعمال الأدبية الكبيرة. قرأت الجريمة والعقاب وكانت رائعة ومجنونة. و قرأت البؤساء بترجمتها الكاملة وكانت رحلة عظيمة دخلت فيها عالم فرنسا, عالم فيكتور هيجو الروائي الكبير. لم أعد أطيق قراءة الأعمال الصغيرة, أريد قراءة رواية كبيرة, يوجد فيها كل الجنون الذي قرأته في بؤساء هيجو وجريمة وعقاب دستويفسكي. كانت خياراتي محدودة. دستويفسكي عبر الأخوة كارامازوف أو الأبلة, أو دون كيخوته لسرفانتس, أو فاوست لغوته. لم يكن الخيار مطروحاً أبداً لقراءة تولستوي بسبب موقفي منه بعد الحرب والسلم. ولكن, ألا توجد لتولستوي أعمال أدبية غير الحرب والسلم؟ هناك عمل لم يكن مطروحاً أمامي, رواية آنا كارينينا. ستكون هذه الرواية إما البوابة الأولى لقراءة الحرب والسلم أو تكون الباب الأخير لعدم قراءة تولستوي أبداً.

وبعد قراءة الرواية سأجيبكم بلا تردد :
آنا كارينينا كانت البوابة الحقيقية للدخول لأعمال تولستوي. هي كما وصفها دستويفسكي بالضبط, هي الكمال الأدبي على أتم وجه .. هي رواية عظيمة لا تموت أبداً.

بعد أن تقرأ رواية, أي رواية أثارت في نفسك الفضول والتعطش للمعرفة, يجب عليك أن تبحث عن أساسيات الرواية, عن أبطالها في فكر المؤلف, والأهم من أين أتى الإلهام لكتابة هذه الرائعة البديعة.

فكرة كتابة آنا كارينينا موجودة بالتفصيل في المؤلفات التي كتبت فيما بعد عن تولستوي, منها زوجته التي قالت أنه كان يتخيل نموذج امرأة متزوجة من المجتمع الراقي, مهمته حول هذه المرأة أن يجعلها بريئة يرثى لها, وحالما تخيل هذا النموذج تجمعت نماذج الرجال التي تخيلها سابقاً. يقول أحد أصدقاء تولستوي في تفصيل لهذا القول أنه قال لي: كان ذلك في وقت ما بعد الغداء, في مثل هذا الوقت تمددت على الديوان ورحت أدخن, هل كنت سارحاً في أفكاري؟ أم كنت أتصارع مع الحلم؟ لكنني لمحت فجأة مرفق يد عارية لامرأة أرستقراطية مرّ أمامي. وبدون إرادة رحت أتفحص الرؤية. فظهر الكتف ثم العنق وأخيراً الصورة الكاملة لامرأة جميلة في فستان السهرة, كانت كأنها تتضرع إلي بعينين حزينتين, وغابت الرؤية, لكنني لم أستطع أن أتخلص من نفس الانطباع الذي أحدثته لي. إذ كانت صورتها تلاحقني ليل نهار, وكان عليّ أن أبحث عن تجسيد لها, تلك هي بداية آنا كارينينا.

هذه الرؤية أو الإلهام كانت البداية لآنا كارينينا. هناك عدة أمور رئيسية أسهمت في كتابة هذه الرواية, وهي تتعلق أولاً بتأثير بوشكين, الأب الروحي للأدب الروسي, والانسحاق أمام مشهد زلزل قلب تولستوي.

في مقال أدبي لدستويفسكي بعنوان آنا كارينينا كحقيقة ذات أهمية خاصة يشير إلى بوشكين كأب حقيقي وعبقري روسي يشار إليه بالبنان. المصدر الأساسي لآنا كارينينا حسب المقال ليس من أوروبا, بل من بوشكين نفسه كإثبات قوي وساطع على استقلال العبقرية الروسية وتفردها. يروي تولستوي كيف انتهت فكرة آنا كارينينا. كان يقرأ كتاب لبوشكين, وهناك يوجد مقطع يقول “اجتمع الضيوف في المنزل الصيفي”, وراح بشكل عفوي ودون أن يدرك لماذا , يفكر بالشخصيات والأحداث بشكل جميل وعنيف وخرجت تلك الرواية المعروفة بآنا كارينينا. في هذه النقطة يظهر تأثير بوشكين الحاد, كيف لا, وبوشكين بالنسبة لتولستوي هو الروعة والجمال, إن بوشكين ينخرط فوراً في صلب العمل, ويقودك إلى الفعل مباشرة, أما غيره فكان عليه أن يبدأ بوصف ضيوف الغرفة. كان تحمس تولستوي كبيراً حتى قال للناشر أنه سينشرها في ظرف أسبوعين, وهو لا يدري أنها ستستمر لأكثر من أربع سنوات, وتتحول من قصة قصيرة إلى ملحمة عريضة متماسكة تضم في صفحاتها أكثر من مائة وخمسين شخصية.

كان هذا التأثير الأول في الرواية, أما التأثير الثاني وهو الأهم, وكان موجوداً بشكل عنيف ورائع في الرواية, فهو الشعور بالانسحاق والألم جراء أحد المشاهد. سأخرج قليلاً من تولستوي لأتحدث عن هذا الشعور الغريب عند الكتاب الروس. عندما كان الزوجان دستويفسكي و آنا جريغورريفنا يستقلان قطاراً ليأخذهما من بادن إلى جنيف، توقف الزوجان لمدةٍ يومٍ في مدينة بازل. لم يكن توقفهما في تلك المدينة الصغيرة محض مصادفة، فلقد كان دستويفسكي ينوي التوجه إلى معرض بازل لمشاهدة لوحة محددة قرأ عنها في مذكرات رحالة روسي. هذه اللوحة تُدعى جسدُ المسيح الميت في الكفن للفنان السويسري هولبن. تقول آنا جريجورريفنا في مذكراتها عن الانطباع القوي الذي تركته تلك اللوحة على نفسية زوجها الحساسة: في الطريق إلى جنيف، توقفنا ليومٍ واحدٍ في بازل، و في نيتنا أن نرى اللوحة التي سمع بها زوجي من أحدهم. هذه اللوحة، و المرسومة بريشة هانز هولبن، تصور عيسى المسيح، بعدَ أن قاسى من العذابات ما يفوق طاقة البشر، و قد أنزل من الصليب و أُسلم للتحلل و العفن. وجههُ المنتفخ مغطى بالجراح الدامية، و قد بدا مفزعاً. اللوحة تركت انطباعاً هائلاً على زوجي، و لقد توقف أمامها كما لو أنه مصعوق..بعدَ أن عدتُ إليه بعد ما يقارب الخمسة عشر إلى عشرين دقيقة، وجدتُ زوجي لا يزالُ واقفاً أمام اللوحة و كما أنه مربوطٌ بها. بدت على وجهه المهتاج تلك الملامح المفزوعة التي اعتدتُ أن أراها في اللحظات الأولى السابقة لنوبات الصرع التي تداهمه. أسرعتُ بإمساكه من تحت ذراعه، و أخذتهُ إلى غرفة أخرى، و أجلسته على كرسي، مترقبةً في أي لحظة مجئ نوبة الصرع، لحسن الحظ أنها لم تأتِ. .. هذه اللوحة كانت تشكل البنية الأساسية لكتابة دستويفسكي لرائعته الخالدة : الأبله.

تولستوي تعرض لنفس هذا التأثير وإن كان بشكل أشد. تنامى إلى مسامعه وقوع حادث لامرأة في الريف, فيرده هذه الحادث إلى المرأة الأرستقراطية التي ظلت رشدها في نظر المجتمع بسبب الحب. هذه المرأة هي آنا بيروغوف, وهي عشيقة لأحد التجار خيب الحب آمالها, فعمدت إلى إلقاء نفسها تحت عجلات قطار لنقل البضائع. نقلت هذه المرأة بعد الحادث إلى محطة صغيرة, وهناك يشاهد تولستوي هذه المرأة متأملاً طويلاً. تقول زوجة تولستوي: رآها تولستوي عارية الجمجمة, منزوعة الملابس, مقطعة الأوصال, كان تأثير هذا المشهد مروعاً وانغرس عميقاً في نفسه.

ماذا سأكتب عن رواية آنا كارينينا؟ عن أبطالها المذهلين, عن القصة والأحداث, أو عن الشخصيات, آنا, كيتي, دوليا, فرونسكي, ليفين, ستيفان, كارينين. لما لا يكون الحديث عن فيلسوف الرواية مثلاً سيرج, أو عن نيقولا الثائر! ماذا سأكتب عن فتنة جمال آنا, الشخصية الرواية الأولى في خالدة آنا كارينينا؟ تصوير تولستوي لهذه الشخصية تخطى حدود الجمال ليصل إلى أعمق نقطة في الجمال نفسه. كانت ساحرة جداً. كانت رسول العناية الإلهية الذي جاء من بطرسبورج إلى موسكو لتحقيق المصالحة في بيت أوبلونسكي وليحقق السلام بين الزوجة المخدوعة والزوج المتقلب, ولم تكن تدري أنها ستكون في هذا الوضع بشكل أكثر درامية. حين تقرأ هذه الرواية ستجد أن مجرد نظراتها فقط لشخصيات العمل الأخرى ذات تأثير عميق في نفوسهم. كانت عيناها تتحدث في الرواية. و إلا كيف بنظرة واحدة فقط زلزلت نفس الكونت فرونسكي في مشهد سكة القطار الخالد. في أحد الحفلات التي حضرها تولستوي لفتت انتباهه امرأة فائقة الجمال, كانت هذه المرأة هي ابنة بوشكين, وكانت هي النموذج الخارجي وليس الداخلي لشخصية آنا كارينينا.

العنصر الذاتي في الرواية أعطى هذه العمل ديناميكية أكثر عبر شخصية قسطنطين ليفين. تلك الشخصية التي لم تكن إلا تولستوي نفسها. كتب تولستوي عن نفسه في هذه الرواية وعبر عن أكثر آراءه بشكل حاد. من سيقرأ بعض ما كتب في مذكرات تولستوي سيجد أغلب أفكاره مطروحة في شخصية ليفين. من أنا؟ وأين أنا؟ ولماذا أنا ؟ وما هو هدف حياتي؟ والأهم : أين الله؟ من هو الله؟ وكيف أحيا بوجود الله؟ ما هو الوجود؟ ولماذا أنا موجود؟ هذه الأسئلة لإنسان مغرق في الشك – وملحد –-كانت ذا تأثير عميق في الرواية, وتفنن تولستوي بتصويرها بأروع ما يكون التصوير الفني. كان ينقص ليفين اليقين لكي يرتاح. كان الصراع النفسي والديني يشتعل سريعاً ويثور في أوقات مفاجئة. الجواب يظهر في نهاية الرواية بشكل رائع جداً. يقول تولستوي: بعد سنتين من هذه الحياة مع الشعب, حدث في تحول. إن حياة أمثالي من الأغنياء والمتعلمين لم تبعث في نفسي إلا الاشمئزاز, وبدت لي فارغة من المعنى. ظهرت لي جميع أفعالنا ومشاغلنا الفكرية وفنوننا وعلومنا بمظهر جديد. حينذاك استطعت أن أرى الأشياء جميعاً بوضوح. هذه الحقيقة التي بحث عنها الكاتب بكل تعطش لليقين يجدها في كلمات الفلاح البسيط : إنه يعيش من أجل روحه, ولا ينسى الله. إن أحلام ليفين عن حبه للمرأة وعن حياته العائلية إضافة للتأثير الهائل الذي أصابه من موت أخيه كل هذا كان من حياة تولستوي الشخصية. وتفاصيل علاقة ليفين وكيتي , كتفاهمهم بالحوار عن طريق كتابة الأحرف الأولى للكلمات, وقراءته ليومياته قبل الزواج وخوفه ورغبته بالفرار, ويوم العرس, وطبيعة الأيام الأولى للزواج, وأشياء كثيرة أخرى تصور علاقة ليف تولستوي بصوفيا أندريفنا عندما كانت مخطوبة له, وبعد زواجهما. حتى مشهد حصاد القمح الرائع في الرواية, لم ينتج هذه المشهد إلا من تجربة الكاتب الشخصية, كان مثل ليفين, يفتخر بأنه لا يقل رشاقة وعناداً من الفلاحين.

تبدأ الرواية بهذا السطر : جميع الأسر السعيدة تتشابه, لكن كل أسرة تعسة فهي تعسة على طريقتها. وبعد قراءة أول سطر يتفنن تولتسوي في تعرية الأسر التعيسة – وعلى طريقتها الخاصة-. قصة الأسرة السعيدة تحتاج إلى بحث عميق ومفصل, من خلالها يصل تولستوي إلى قناعة بأن الإنسان الشريف والمفكر لا يستطيع أن ينقذ الأسرة من عواصف الزمن, إذا كان يعاني من شعور القلق الداخلي وعدم الارتياح, حتى لو تأسست الأسرة على قواعد سليمة . ثم تقترب خطوط الرواية بشكل متوازن لكل من آنا و فرونسكي, وليفين وكيتي, عبر جو من القلق وانتظار الحلول. ويقود التحليل لهذه العلاقات إلى فكرة تعاسة العالمين لكل الأبطال. هذه الرواية عبرت عن الذنب الإنساني والجريمة الإنسانية في ظروف غير عادية. كان الشر موجوداً قبل وجود تلك الشخصيات التي أُجبرت على الكذب. تنسج صورة بطلة الرواية آنا في النص الأخير من معالم إيجابية وسلبية. لم تعد مثالاً عالياً سماوياً لأبطال الرواية, إذ كانت متعنتة أحياناً وحادة ومنفعلة. كانت إنسانة أرضية متحمسة : لست مذنبة كون الله خلقني هكذا, أن أكون بحاجة أن أعشق وأعيش !

عند بداية قراءة الرواية أخبرت أحد الأصدقاء المقربين بهذه الرواية. أخبرني هذا الصديق – وهو مولع بالأدب الروسي كثيراً – أنه قرأ الرواية, وأحبها كثيراً, لكنه عاقد العزم على ألا يقرأ للروس مرة أخرى, لأن الأفكار المطروحة في الرواية غير معقولة وتعصف بالعقل وتغير وجهة النظر بطريقة دراماتيكية. كنت حينها أنهيت الجزء الأول من الرواية ولم أعرف بالضبط ما هي هذه الأفكار؟ والآن, وبعد أن انتهيت من قراءة الرواية وجدت هذه الفكرة تظهر لي بوضوح شديد. هل آنا كارينينا مذنبة؟ هل ارتكبت جرماً شديداً؟ هل يدين تولستوي آنا أم يبرئها؟ هل هو محام لها؟ أم قاض عليها؟ أذكر بعد الانتهاء من الجزء الأول أني جداً حاقد على شخصية آنا وتطرفها في تنفيذ مخططاتها, واعتبرتها مذنبة. ولكن بعد قراءة الجزء الثاني, اختفت لدي الرغبة في اتهام آنا.

أعود لمقال دستويفسكي الذي فصل شخصية آنا بشكل أكبر وضوحاً وبشكل رائع. وكيف تحل مشكلة آنا, وهل هي مذنبة؟ بالإمكان حلها حسب دستويفسكي وفق طريقتين. الأولى تتمثل بوجود القانون الذي كتب وشكل على مدار آلاف السنين. وفيه الخير والشر محدد الملامح. هذه الطريقة في نظر دستويفسكي جداً حمقاء, لأنه ينفذ بدون مراعة لشعور الإنسان ويتم تطبيقه بشعور أعمى. من غير الممكن إعداد تصور نهائي للإنسانية ونحن في وسط الطريق. أما الطريقة الثانية وهي نقيض ما سبق. يقول دستويفسكي :

بما أن المجتمع مشكل بطريقة غير صحيحة فليس لك الحق أن تسأل أفراد هذا المجتمع عن نتائج أفعالهم, أي أن المجرم غير مسئول, والجريمة بالتالي غير موجودة, ولكي ننتهي من الجرائم والأخطاء الإنسانية يجب أن ننتهي من تشوه المجتمع وتركيبته الخاطئة. وبما أن علاج النظام القائم للأشياء سيكون طويلاً ودون فائدة, ما عرفنا له دواء حتى الآن, فيجب هدم هذا المجتمع وكنس هذا النظام بمكنسة! وعندها تستطيع أن تبدأ ببناء كل شيء من جديد, وعلى أسس أخرى مازالت غير معروفة, ولكنها بطبيعة الحال ليست أسوء من أسس النظام الحالي, بالتالي فهي فكرة قادرة على تحقيق النجاح ولا سيما حين يتم اعتماد العلم أساساً لذلك. وعليه, فالحل الثاني كما رأينا يتجلى في انتظار عش النمل المستقبلي, وإلى حينها يمتلئ العالم بالدم. إن عالم أوروبا الغربية لم يقدم أي حلول أو طرائق أخرى لمسألة الذنب والجريمة بينما عالج كاتب آنا كارينينا المسألة بوضوح ورأى أن لا عش النمل ولا أي انتصار للفئة الرابعة, ولا أي قضاء على الفقر, ولا أي منظمة للعمل يمكن أن تنقذ الإنسانية من انحرافها, أي من الذنب والجريمة. لقد عبر عن ذلك من خلال معالجة نفسية عميقة للروح الإنسانية, وبقوة سبر نفاذة مهيبة, وصور كل ذلك في رواية أدبية واقعية لا يوجد مثيل لها عندنا حتى اليوم. إن الشر يسكن الإنسانية بشكل جلي وواضح أعمق ما يتصوره الحكماء. علينا أن نعترف أن قوانين الروح الإنسانية غير معروفة وغير مكتشفة من قبل العلم, وهي إلى الآن غير معروفة. بحيث لا تجد حكماء في هذا المجال أو قضاة نهائيين. لكن هناك من قال الانتقام عندي وفق ما اقترفت يداك. وهو وحده العالم بشر هذا الكون وبمصير البشرية النهائي. الإنسان لا يستطيع أن يأخذ على عاتقه حل أي مسألة بفخر كامل ببراءته. لم يحن الوقت لذلك. إن القاضي الإنسان يجب أن يذكر أنه ليس قاضياً نهائياً, وأنه نفسه مذنب, وسيكون القياس والميزان في يده من السخافة بمكان إذا لم ينحنِ وهو يحملها أمام قانون آخر سري وقائم على الحب والتسامح. لكي لا يموت الإنسان جراء يأسه وعدم فهمه لمصيره, وجراء قناعته, واستحالة تجنب الشر السرطاني السري, فقد تمت الإشارة إلى المخرج. وبشكل رائع ومذهل في الجزء العبقري من الرواية, في الفصل قبل الأخير منها, عند آخر مشهد للبطلة, عندما ظهر المجرمون والأعداء فجأة في صورة كائنات سامية تحكمها الأخوة, وتسامح بعضها بعضاً. وبالتالي تطرح من نفوسنا بفعل ذلك الكذب والذنب والجريمة. وتبرئ ذاتها مباشرة وهي في وعي كامل. وقد حق لها ذلك, ولكن بعد ذلك في نهاية الرواية, في مشهد مخيف وكئيب لسقوط الروح البشرية ومرسوم بتتابع مدهش وحثيث, يقدم حالة لا تقاوم, يوم سيطر الشر على الكائن الإنساني, وقيد كل حركة من حركاته, وشل مقاومته, ونوازعه الفكرية في الصراع ضد الظلمة, التي تسقط الروح عن قصد بشغف الانتقام. في هذه اللوحة قدر كبير من الموعظة للقاضي الإنسان, لحامل القياس والميزان, الذي سيصرخاً فزعاً : لا ليس الانتقام عندي وليس وفقاً لما اقترفت يداك. ولن يحمل المتهم ذنباً دون أي شعور إنساني, لأنه استهان بنور الهداية الأبدي المعروف. إذا كان لدينا مثل هذا الأدب الراقي بفكرته وقوته وتطبيقه فلماذا لا يكون لدينا لنا بالنتيجة عالمنا الخاص؟ وقراراتنا الاقتصادية والاجتماعية الخاصة؟

وأنا أقرأ الرواية أقوم كالعادة بتدوين بعض الصفحات الضرورية. وعندما انتهيت وجدت نفسي غارقاً في عدة مشاهد خالدة, لا مشهد واحداً أو اثنين. بل عدة مشاهد. تولستوي في آنا كارينينا لم يكن كاتباً روائيا صغيراً يكتب بعض الصفحات ثم تُنسى بعد أن تفرغ من القراءة. هذه المشاهد ستبقى في ذاكرة القارئ لزمن طويل. لو طرح علي هذا السؤال : لماذا وصف دستويفسكي آنا كارينينا بالكمال الأدبي لقلت بلا تردد : بسبب المشاهد الخالدة. تولستوي كان يعزف, ويغني, ويبكي في تصويره الفني المذهل. كانت لقطة رائعة تلك التي تصور شوق ليفين للقاء كيتي في الجبال الروسية في مشهد التزلج. كان مشهداً مثيراً وعاصفاً عندما يصور تولستوي اللقاء الأول بين آنا وفرونسكي في مشهد سكة الحديد, العيون كانت تتحدث, كانت تتحدث, هل رأيتم عيون تتحدث في رواية بدون كلمات؟ عندما تعبر بين الصفحات ستجد نفسك مع المدعوين في الحفلة, تطلب رقصة الفالس, في مشهد حفلة الرقص المجنونة, عندما تنهار شخصية, وتفرح شخصية, وترقص شخصيات, عائلات, انهيار عائلة, وبناء عائلة جديدة, ذلك هو مشهد حفلة الرقص. كانت شخصيات الرواية من الطبقة الراقية, فأين الخيول؟ إنها في السباق, في مشهد سباق الخيل, وبحضور القيصر, عندما تكشف آنا عن حقيقتها أمام زوجها, وتنهار آمال عشيقها. ليفين هو تولستوي في الرواية, هو العاشق للفلاحين والذي اهتز أخيراً في الرواية, أين تأثيرهم؟ ستجده في مشهد الحصاد, عندما يتحول ليفين النبيل إلى فلاح يشارك الفلاحين البسطاء الحصاد. إلحاد ليفين الذي لم يتفجر إلا في الأخير يصوره تولستوي بشكل رائع في الفصل الأخير من الرواية. الحياة التي يطمح ليفين في الحصول عليه تظهر بشكل رائع في مشهد الخطبة, وحفلة الزفاف, الكنائس كانت تعزف, الجمهور الحاضر كان يغني رغم الأخطاء الفادحة في الزواج. وأخيراً, والأكثر رعباً : مشاهد الحياة والموت!

تولستوي كان مولعاً بالموت, مبهوراً به, ومن هنا ينبع إحساسه العميق بالعدم كحقيقة أخيرة. كانت حياته كلها معركة لتأخير الموت, تأخير العدم, أو بالأحرى للسيطرة على الموت تماماً، بالنسبة إلى تولستوي من الأفضل للإنسان، إذا كان الموت نهايته الحتمية، ليس أن يؤخر الموت، بل أن يختار هو لحظته، في معنى أن الانتحار كان واحداً من مصادر إلهام تولستوي العظيمة، إذ أنه يجعل من الموت أمراً طوعياً مسيطراً على موعده تماماً.

كان الموت عند فيكتور هيجو هو الطريق للوصول إلى الحرية والكمال الأعظم, ويقوم بتصويره بشكل هادئ, أما تولستوي, فإن الموت هو شكل آخر من الحياة يجب تصويره بكل قوة وأكثر درامية .. وبؤس! . في آنا كارينينا كان الموت حافلاً عبر ثلاثة مشاهد, المشهد الأول والتي اكتشفت فيه آنا شؤماً عليها هو مشهد انتحار أحد العمال في سكة القطار, المشهد الثاني كان أكثر درامية من المشهد الأول, مليئاً بالألم, هذا المشهد هو مشهد وفاة أخ ليفين “نيقولا”. تولستوي أظهر موهبته التصويرية في هذا المشهد, وحين معرفة سيرة تولستوي سنعرف كيف صور تولستوي هذا الموت القادم لهذا النيقولا. تولستوي لم يصور شخصية روائية, بل صور أخاه نيقولا الذي توفي بالسل. الموت يجب أن تكون له نهاية في الرواية, لم ينتهي الموت عند وفاة نيقولا, ولم ينتهي التصوير الفني للموت, يجب أن يكون الموت هذه المرة أكثر درامية وبؤساً وموتاً من قبل, ويخطف الأنفاس, هذا المشهد لن أتحدث عنه أو عن من هذه الشخصية التي رحلت. أقول باختصار شديد, تولستوي فجر كل آراءه عن الموت في المشهد الأخير من الرواية. لم أقرأ في حياتي مشهد تصويرياً بديعاً للموت مثلما صوره تولستوي في رواية آنا كارينينا. عندما تقرأ هذا المشهد في البداية ستقول أن تداعي الذاكرة أو تيار الوعي هو المسيطر على هذا المشهد. وعندما تنتهي منه ستصرخ بكل جوارحك وستقول بكل قوة : يا ألله.

كان هذا جانب الموت في الرواية, فأين الحياة؟ بلا شك, هي في مشاهد آلام الأنثى عند الولادة. الكتاب الروس هم أفضل من يرسم مشاهد آلام الأنثى عند الولادة ووصف آلام حمى النفاس. تولستوي عبر روايته العملاقة آنا كارينينا وصف مشهدين من أكثر المشاهد إثارة وحيوية في الرواية, مشهد ولادة كيتي, ومشهد وصف الحالة النفسية والهذيان لحمى نفاس آنا كارينينا. هل قرأتم عن مشهد أنثى وهي تصارع آلام الحمى؟ تولستوي يقدم صرخات طفل لم يكن موجود في الرواية في مشهد ولادة كيتي, وفجأة يظهر لنا بهذه الصورة من الألم والشدة والصراخ واحتباس الأنفاس. لم أقرأ في حياتي مثل هذه المشهد.

ولكن تولستوي لم يقدم هذا المشهد من أجل وصف الحالة النفسية للمرأة عند الولادة. كان الهدف الذي يريد تحقيقه أكبر من آلام المخاض. كان يريد الخلاص لنفسه. تولستوي لم يكن إلا نسخة مصغرة من قسطنطين ليفين, زوج كيتي التي تعاني من آلام الولادة. ذلك الإنسان الملحد الذي لا يؤمن بالله ولا يؤمن بشيء في هذا العالم. من بداية الرواية إلى نهايتها كان طريق ليفين هو البحث عن الشيء الذي لا تستقيم الحياة بدونه. حين كان يصرخ تولستوي باعترافاته: يارب ارحمني وخلصني .. أيها الرب العظيم .. يا إلهي العزيز أنقذني .. كان يطلب الإمساك بشجرة اليقين. مثل هذه الصرخات الحية صورها تولستوي كذلك في رواية آنا, عندما يصرخ ليفين وهو يسمع عذابات زوجته عند الولادة, وهو الملحد الغارق في الشك حتى في وجود الله نفسه يصرخ من أعماق قلبه : يا الله ارحمني.

وهو الذي لم يرفع رأسه منذ سنوات, رفعها من أجل ظهور معجزة هذا الطفل الذي لم يكن قبل ساعة في هذا الوجود. كيف ظهر هذا الطفل إلى الوجود؟ معجزة؟ نمو طبيعي في جسم الإنسان؟ حين أقرأ ليفين وهو ينتظر زوجته التي تعاني آلام الولادة يظهر لي تولستوي الكهل الكبير وهو يتساءل هذه الأسئلة التي يعرف أجوبتها من الطفولة, حين كان يرضع من ثدي أمه: أليس هذا دليلاً على أن هناك أماً ولدتني؟ وأعتنت بتربيتي وأطعمتني؟ أين هي تلك الأم؟ أنني لا أستطيع أن أتعامي عن رؤية هذه الحقيقة, وهي أن كائناً أحبني وكان السبب في وجودي؟ هو – بلا شك – الله. هو موجود بالحقيقة وفي كل لحظة أعترف بوجوده, أشعر بأن حياتي قد تجددت, وإيماني بما في الوجود قد نهض من رمسه.

30/8/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي, تولستوي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s