جسور مقاطعة ماديسون


أن تكتب رواية، أن تؤلف كتاب، أن تكتب قصيدة، أن ترسم لوحة: أي إنسان يستطيع أن يمارس الهواية التي يحب. ليس من المهم أن تكون متخصصاً في الأدب أو الشعر، أو تنتسب لإحدى المدارس الفنية حتى تستطيع أن تقدم شيئاً تعتقد بأن جميل ورائع. تبقى الممارسة ذاتية، تتعلق بالشخص ذاته. إنه يعبر فيه عن آراؤه وفكره وذاته، ولا مجال أرحب في التعبير عن الذات من الكتابة أو التأليف أو الرسم. حين يتعلق الأمر بجمهور القراء والمتذوقين، سيكون الأمر متعلق بدرجة التأثر وجودة العمل الفني والتفاعل معه. هل وجدوا في العمل الفني شيئاً رائعاً، هل هناك شيئاً مبتكراً، فريداً، هل ضرب في داخلهم شيئاً يصعب التعبير عنه، وعبر عنه العمل الفني بكل مهارة، أم أنه عمل مثل غيره من الأعمال، سيذهب أدراج الرياح ويطويه النسيان؟

روبرت جيمس والر من هؤلاء الكتاب الذين يكتبون لأجل الكتابة ولا غير، يعبرون فيها عن أحزانهم وأفراحهم، دون اكتراث لأي تصنيفات أدبية أو فنية. وهو من الذين يصعب تصنيفهم. ليس لأنه بارع في طريقة أو رؤية ما، بل لأن هذا الكاتب رجل اقتصاد، ويحمل درجة الدكتوراة في تخصصه، بل هو عميد كلية إدارة الأعمال في إحدى الجامعات الامريكية لعدة سنوات. أن تكون رجل يحمل في ذهنه كم هائل من العلوم المالية والاقتصادية، لا يعني ذلك أن تكون منفصلاً عن واقعك ومحيطك، خصوصاً إذا كان هذا المحيط يحمل مقومات أدبية وفنية. روبرت جيمس مؤلف موسيقي، ومغني. ما يكتبه يقوم بغناءه في أحد الأماكن التي تعرض حفلات موسيقية في ولاية آيوا الامريكية. كتب عدة مقالات أكاديمية، ومقالات يصفها البعض بأنها صعبة التصنيف، وأنا أقول بأنها مقالات تحمل صفة اليوميات، يوميات يكتبها كل الناس، يوميات عن الحنين والحب والعزاء والفقد والطبيعة. ليس عظيماً حين يتحدث عن الطبيعة كرالف إيمرسون، لكنه يصل مباشرة إلى قارئه ويحدث فيه ذلك التأثير، لأنه يتحدث من القلب، عن واقع عايشه وتفاعل معه ويريد من الآخرين أن يتشاركوا معه هذه التجربة. صدرت عدة مؤلفات من هذه اليوميات. من هذه الكتب،كتاب أغاني قديمة. في اليومية الأولى نلاحظ مشاعره حين بدأ يتفقد غرفة ابنته ريتشل التي رحلت إلى بوسطن للعمل، وتركت وراءها المنزل الذي عاشت فيه لثمانية عشر عاماً. روبرت جيمس يعبر في يومياته عن حبه لطفلته، من خلال ألعابها في غرفتها، والحيوانات التي تركت في المنزل، يرجع بالذاكرة إلى اللحظات الأولى لولادة الطفلة، الحدث الذي يغير حياة أي عائلة، وكيف سيتم التعامل معه، إلى اللحظة التي يودعها في المطار، وانطلاق الطائرة إلى جهة الشرق. رغم أنها أصبحت مستقلة وتعتمد على نفسها إلا أنها تبقى في نظر أبيها صغيرة. هذه مقال بسيط في محتواه وتعبيره، لكنه مقال يستدر في قارئ جيمس مشاعر الفقد والحنين والحب بأروع وأقوى صورة. أقوى اليوميات والمقالات تأثيراً هي تلك التي تخرج من القلب دفعة واحدة. المقال الثاني هو عن زوجته جورجينا، وحري بمن يريد معرفة نوعية مقالات روبرت جيمس أن يقرأ هذه اليومية، المقالة، التي لا تقل قوة عن مثيلاتها في كتاب أغاني قديمة وكتب أخرى.

أهم ما في كتابة هذه المقالات أو اليوميات، أنها نشرت دون خضوعها لأي تعديل لاحق. روبرت جيمس أصاب شهرة عظيمة كفلت له ثراء مادياً بعد نشر روايته الوحيدة. وكان لزاماً أن يجمع وينشر مقالاته في كتاب. وكان أن فعل ذلك دون خضوع هذه المقالات للتعديل. والآن، ما هو سبب شهرة روبرت جيمس والر ؟ ليست المقالات، أو الأغاني والتأليف الموسيقي، الجواب في رواية لا تتجاوز المائتين صفحة: رواية جسور مقاطعة ماديسون. جسور مقاطعة ماديسون هو العمل الروائي الأول لروبرت جيمس، والأشهر في تسعينات القرن الماضي. هذه الرواية وضعت المؤلف في مكانه لم يتصورها أو يضعها في مخيلته. ما هو سبب شهرة الرواية ونجاحها؟ حين أقول نجاح الرواية فأنا استبعد الفيلم الشهير المقتبس من الرواية، لأن الرواية نجحت وحققت عدة نجاحات في السوق الأمريكي، وتصدر لعدة أسابيع المرتبة الأولى في المبيعات، إلى درجة أنه تم بيع ما يقارب الخمسة ملايين نسخة في فترة زمنية قصيرة. فنجاح الرواية كان سابقاً للفيلم، ولم ينجح الفيلم أو يأخذ مكانته إلا باعتباره مكملاً للرواية وقائماً عليها.

قصة حب أخرى! ما الذي تركه تولستوي للآخرين كي يكتبوا عن الحب؟ يصعب تصور قراءة قصة حب أخرى بعد الذي خطه تولستوي في كبرى أعماله. لكن الحب في النهاية، أكبر من تولستوي وأدبه. ما دام في الجسد قطعة تحمل هذا التأثير الكبير في الحياة البشرية، فلن ينتهي الحب وقصص العشق في الأدب والشعر. لكن من الذي يستطيع أن يكتب قصة يسشعر فيها القارئ حرارة الحب، يحس بقوتها، أن هناك “شيء يحدث”، يعصف بالقلوب والعقول ويجعلها حائرة لا تعرف أين المفر. هذا هو السر كله. كيف تستطيع أن تكتب قصة حب دون أن تكون ساذجة، مكررة، دون أن تكون شيئاً عادياً لا تحس بقيمته!

هناك أغنيات، أغنيات قادمة من الريف، ومن غبار الطرق في الأرياف والمقاطعات. هذه القصة واحدة من الأغنيات كما يصفها روبرت جيمس. هناك من الملاحظات في هذا العمل الفني ما يجلعها جديرة بالانتباه. أولى هذه الرؤى هو في شخصية بطل الرواية روبرت كينكيد أو ما يسمى بالكاوبوي الأخير. روبرت في الخمسينات من عمره، متجول، عمله الأساسي وأساس عشقه هو في التصوير الفوتوغرافي وكتابة المقالات. يقطع الأرياف والحدائق الوطنية لممارسة عشقه لهذه الهوايات، أو بمعنى أصح هذه الأعمال، إذ أنها ليست هواية بقدر ما هي أساس حياته وسبب وجوده في المقطاعات والطرقات. يصل إلى ولاية آيوا الامريكية لكتابة مقالات وتصوير جسور معينة تحمل صفة تركيبية يجعلها فريدة من نوعها. جسور مسقوفة تربط بين ضفتي نهر قصير. هذه أولى إبداعات المؤلف في الكتابة الروائية. فقوة الرواية هو في ارتباط الرواية بجماليات المكان، بشيء لا يحمل قيمة ثقافية كبرى في الأوساط الثقافية، لكنه يحمل قيمة جمالية رائعة، هذه القيمة مرتبطة بالشكل، والمكان، والتصميم، والمحيط. قد لا يشعر بهذه الجمالية الشخص الذي يفضل السير على الطرقات للمرور فقط والاتجاه لمكان آخر، لكن هذه الجمالية ذات قيمة عند من يفضل التوقف، السير على الاقدام، التطلع إلى هذه التفاصيل الصغيرة، والتي إذا تم عزلها في إطار خاص بها، تصبح وكأنها ملحمة موسيقية، أو قصيدة. المؤلف لا يجعل من بطله يتطلع إلى هذه الجسور وكأنها مجموعة من الأخشاب، بل يريد أن يبث فيها الحياة من جديد، أن يجعلها – بالفعل – قصيدة. ولا يتأتى ذلك إلى بهواية بطل الرواية: التصوير الفوتوغرافي. لو نظرنا إلى زمن الرواية، فسنجد فترة فاصلة في التصوير الفوتوغرافي؛ بين الكاميرا التي يمسكها المصور، يأخذ زوايا المكان ويحددها بدقة، ينتظر إطلالة الفجر حتى تكون الإضاءة مميزة، وبين الفترة الحالية التي أصبح فيها التصوير مباشراً، تتحكم فيها التقنيات الحديثة وتجعل ما كان مستحيلاً أمراً واقعاً في ثواني معدودة. أجهزة التصوير الاحترافية، الانتظار، تحديد الإطار، الإضاءة، تغيير المكان، هذه عمليات يحتاج لفعلها المصور ليلتقط صورة للمكان، ولكن الفرق الأساسي، والأمر المهم والعظيم، أن تجعل من هذه الصورة حية، قائمة بذاتها. التصوير الفوتوغرافي ليس من أجل التصوير بحد ذاته كعمل وممارسة ومهنة، بل التصوير لبث الحياة في الصور، أن تضع في هذا المكان شيئاً خاصاً بك، أن تكون الصورة قصيدة.

مثلما يكتب تولستوي تفاصيل المعارك في بوردوينو أو أوسترليتز ، مؤلف الرواية – عبر بطله روبرت كينكيد ، يستقصي جسر روزمان في ولاية آيوا. يرسم حدود الصورة وجمالياتها، يحدد مساحة الانتقال من مكان لآخر، ويحدد الوقت المفضل لإلتقاط الصورة؛ لحظة الفجر، لحظة الغروب. معركة لاكتشاف الصورة؛ القصيدة. لكن الأغاني تأبى إلا أن تقتحم عالم الكاوبوي الأخير، ليتجسد في شخصية فرانشيسكا، الشخصية الرئيسية الثانية في الرواية، والتي كان لعلاقتها مع بطل الرواية قوة التأثير في الصورة، وجسر روزمان.

يقول روبرت جيمس والر في مقابلته التلفزيونية الشهيرة بعد نجاح الرواية، بما معناه أن الرواية كان أساسها الصورة، لم تُكتب الرواية ولم يضع مخطط إلا بعد ما قام بتصوير جسر روزمان. وكأن هناك أغنية انطلقت من هذا المكان، لكنها أغنية منسية تحتاج لأن يتم اكتشافها وإعادة إحيائها من جديد. يقول بدأت الرواية كمقطع لأغنية أردت تأليفها، يقول المقطع: أعرف بأن لديك حلمك الخاص فرانشسيكا. ثم تطلعت لصورة جسر روزمان وفجأة بدأت بعض الأسماء بالظهور مثل روبرت كينكيد. عدت للمنزل، وبدأت الكتابة، ولم تأخذ الرواية أكثر من أسبوعين فقط، وأصبحت الأغنية: جسور مقاطعة ما ديسون.

لو قرأ الروائي الإنجليزي الشهير ديفيد هربرت لورانس رواية جسور مقاطعة ماديسون لصفق لها طويلاً، لأنها المثال الأبرز والصورة الأكمل لأفكاره حول الجسد والحب، و التي نشرها في بعض مقالاته الفكرية وأعماله الروائية. شخصيات الرواية كبيرة في السن، ليسوا شباب يكتشفون الحب في شبابهم، بل ظهر لهم بصورة مباغتة دون تخطيط مسبق. هل اكتشفوا الحب مؤخراً وهو على كبر من العمر، أم أن هناك إحباطات وعلاقات سابقة لم يكتب لها النجاح ليظهر لهم في ذلك التوقيت، وهو منخرطين في علاقات إجتماعية لا تسمح بنشوء وتطور مثل هذه العلاقة؟ الأمر الذي يجب أن يقال؛ لم يكن هناك حب في البداية. كل ما في الأمر هو حب الاستطلاع والاكتشاف، مثلما فعلت فرانشسيكا – أو بصورة أوضح ميريل ستريب في الفيلم- حين تتطلع من خلال النافذة إلى ذلك الرجل الممتلئ حيوية والمتحرر من كل العلاقات، العاشق للطرق والمقطاعات والتصوير والكتابة، لا تتطلع إليه وهي الزوجة والأم والمثقلة بمسئوليات وارتباطات عائلية ومجتمعية، بل كفتاة؛ اكتشفت شيئاً يصعب وصفه وتسعى لإكتشافه، بكل ما يعني الاكتشاف من معنى، إلى حد الانطلاق نحو ذلك الرجل الغامض المتجول. هذه هي القضية الأساسية: هل من الممكن أن تنجح هذه العلاقات في ظل وجود مجموعة من العوائق التي تحظر ذلك؟

أسلوب روبرت جيمس في الكتابة ليس مباشراً. إنه يستخدم تقنياته التي يمارسها في كتابة المقالات والأغاني ليصف الحالة الشعورية لأبطال روايته، من خلال الذكريات، الأغاني، الرسائل. أجمل ما خطه الروائي في عمله هذا هي الرسائل. رسائل غير مباشرة، لا يعرف الطرف المرسل إن كان المرسل إليه سيقرأ رسالته أم لا. المهم أن يكتب، أن يعبر عن شوقه وحياته وظروف فراقه والحالة التي يعيش بها الآن. وإن كان بطل الرواية غاب عن القراء حين غادر المقاطعة مرغماً إلا أنه ظل حاضراً برسالته. بينما رسالة فرانشسيكا هي الأقوى تأثيراً وبراعة، ليس لأنها موجهة لذلك المصور الغامض، بل لأبناءها. فهي وإن كافحت في حياتها واحتفظت بمسئوليتها الاجتماعية تجاه العائلة والأطفال، إلا أنه حان الوقت لأن تفصح فيها عن نفسها، بكل حب، نحو الرجل الذي عاشت معه أربعة أيام، تلك الأيام التي تحمل ذكريات وأحاديث وأصوات وأغاني يجب أن تسمع، وتنطلق نحو جسر روزمان.

لم أعرف الرواية من قبل، ولم أسمع بالروائي كذلك. شاهدت فيلم جسور مقاطعة ماديسون وأعجبت به. فيلم يحمل جماليات أفلام التسعينات، ليس فيه من مقومات المدنية الحديثة والتكنولوجيا. قصة هادئة وبسيطة من الريف والمقاطعات. وهذه البساطة والهدوء في العمل السينمائي ليس مستغرباً أن يُظهر عملاً جميلاً، لكن المفاجأة أن الممثل والمخرج كلينت إيستوود هو من قام بتمثيل دور روبرت كينكيد. هذا يعطي تصور بأن بعض المخرجين حين يبتعدون عن المسار الذي ساروا فيه، قد يقدمون أعمال أجمل. هل يمكن تصور كلينت دون أفلام الغرب الأمريكي والحروب والقضايا السياسية؟ فكيف يظهر بهذه الصورة الملفتة للانتباه في دور رجل يعشق التصوير والترحال. كلينت في إخراجه لهذا العمل يوازي المخرج ديفيد لينش عندما أخرج فيلم قصة ستريت، وهو علامة فارقة واستثنائية في تاريخ سينما هذا المخرج المثير للجدل.

بعد مشاهدة الفيلم، كان لدي تصور أن الرواية لا تقل قوة عن الفيلم. وأنا أقرأ، كانت تظهر لي بين الصفحات ميريل ستريب وكلينت في النص، لم أستطع مفارقة الصورة السينمائية عن القراءة الروائية. ومع ذلك، الرواية عظيمة ورائعة، والفيلم جميل، واكتسب جماله من قوة النص الروائي الذي خطه روبرت جيمس والر.

أتمنى أن تترجم أعمال روبرت جيمس إلى العربية، وتحديداً: جسور مقاطعة ماديسون، وأغاني قديمة.

نُشِرت في أدب أمريكي | أضف تعليق

المزحة التي أصبحت حلماً، وحقيقة.


إلى أشواق بن سعد الدخيل؛ أم ديمة وسارة، زوجتي، المحاسبة العظيمة.

أنا لم أصل إلى ما وصلت إليه دون وجودك ودعمك وتأييدك الكامل. آمنتِ بأني سأحصل الزمالة رغم أني لم أحمل حينها أي شهادة جامعية. أعطيتني كل دعم كان متوفر لكِ، من وقت ومال. كل ما وصلت إليه في حياتي العملية والعلمية تغير بعد أن تعرفت عليك. هذا النجاح، وكل نجاح، أهديه لكِ بالكامل.

قبل سنوات، وبعد مرحلة الثانوية، وبعد مرحلة عطالة استمرت سنة واحدة دون دراسة أو عمل، انضممت أنا ومجموعة من الأصدقاء لأحد المعاهد الفنية التابعة لإحدى أكبر الشركات المساهمة في المملكة. يتخرج المتدرب من هذا المعهد بشهادة دبلوم تؤهله للعمل في الشركة. كنت مشتاقاً لعمل أي شيء، سواء للدراسة أو العمل. بعد سنة مليئة بالفراغ وعدم فعل أي شيء مفيد، أصبح هناك حركة وجهد ومثابرة وهدف تطمح إليه. كانت هذه المرحلة ممتعة بكل تفاصيلها، لكن بعد تخرجنا أنا وأصدقائي من هذا المعهد وبدأنا في مرحلة العمل، كان السؤال: هل سيتوقف طموحنا هنا أم هي البداية؟

لم يكن التخرج والعمل نهاية الطموح، كان طموحنا أكبر من ذلك. لما لا نكمل الدراسة الجامعية ونصبح مهندسين ونعمل في عملنا هذا الذي يحتاج لعدد كبير منهم؟ ولكن كيف ندرس تخصص هندسي ونحن موظفين في ذات الوقت؟ يجب أن تختار بين الاثنين أو تعمل وتدرس في ذات الوقت، واخترنا الخيار الثاني. كنا نذهب صباحاً للكلية التقنية، ونغادر بعد الظهر إلى العمل الذي ينتهي في الساعة العاشر مساء. لأكثر من 16 ساعة متواصلة بين الدراسة والوظيفة. كان يجب علينا أولاً أن نبدأ بالدبلوم من جديد، فشهادة المعهد التابع للشركة غير معتمدة، وهكذا بدأنا. كنت متفوقاً في دراستي، أحقق درجات عالية، ترفع من مؤهلي وتؤهلني لدراسة البكالوريوس الهندسي. كان أصدقائي يسبقوني بمستوى واحد، وكنت خلفهم أسير راكضاً محاولاً اللحاق بهم. وبعد أن انتهيت من الدبلوم كانت لدي كل المؤهلات لإكمال تخصصي الهندسي. بتفوق مع مرتبة الشرف الأولى. ذهبت للكلية للتقديم، وكانت المفاجأة أن الكلية أغلقت هذه المرحلة من الدراسة الجامعية. في الوقت الذي كان فيه كل أصدقائي قد استعدوا ودخلوا المجال الدراسي المؤهل للهندسة، كانت الكلية قد أغلقت أبوابها في وجهي. ذهبت إلى كل الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم محاولاً بكل جهدي أن أجد منفذاً للدخول مع أصدقائي، أن أقنعهم بأني متفوق وهذه هي الأدلة، لكن لا فائدة.

حاولت الذهاب إلى الإدارة العليا للقاء أي شخص يعطيني الأمل بأن المجال سيفتح لي. لم أجد أحد يعطيني الأمل. كانت الإجابة: الانتظار، لكن إلى متى؟ لا جواب. خرجت من مقر الوزارة وأنا منهك ومحطم بالكامل. أن أفقد حلم تعبت عليه ليلاً ونهاراً من أجل قرار بيروقراطي، كانت كارثة لم أستطع تحملها. لم أنم لثلاثة أيام متواصلة، ولا أعرف حقيقة كيف عشت تلك اللحظات، ولم أعرف بما كنت أفكر وقتها. لم أعهد نفسي متفائلاً. كانوا يقولون لي انتظر، فلربما يفتح المجال لك من جديد، لكن إلى متى انتظر؟ أريد جواب حول الوقت المحدد، لكن لا جواب.

لم اتخذ قرار حول ما سأفعل، تركت للحياة ومسيرتها مهمة إيجاد حلم آخر أستطيع من خلالها أن أعيش. أنا أحلم. وامتلك حلم لا من أجل أن أرتقي، ولكن من أجل أعيش. الحياة دون حلم تقاتل لتحقيقه مستحيلة، فارغة، بلا معنى. هكذا أؤمن.

قررت حينها الانتظار، لربما يفتح المجال لي من جديد. وفي نفس الوقت، قررت أن أفتح نافذة حلم أخرى أستطيع من خلالها الانطلاق، إذا قررت التخلي عن حلمي السابق. في مرحلة العطالة الأولى – والتي استمرت لسنة كاملة-كنت مغرم بالأخبار الاقتصادية، وأتتبع المؤشرات العالمية وأسعار الطاقة التي كانت تلك الأيام تلامس العشرة دولار. ولم تكن الاخبار الاقتصادية متعمقة، كانت خمسة دقائق فقط في اليوم على قناة إخبارية سياسية، ولم تكن القنوات الإخبارية الاقتصادية قد ظهرت بعد. كنت احتفظ بالصحف الاقتصادية المحلية، دون تخطيط أو سابق معرفة. كنت أعرف آلان غرينسبان وتصريحاته التي ترفع أسواق المال وتخفضها، وإدارته للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. بل وقرأت كتابه عصر الاضطراب فور صدوره. قررت حينها أن أحول هذه المعرفة وهذا الشغف إلى عمل منظم، وانتسبت للدراسة في جامعة الامام بتخصص اقتصاد.

ذات يوم، رأيت مع زوجتي أكياس كبيرة، عليها شعار الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين، تضم حقيبتين تدريبيتين لمادة المحاسبة. كانت الحقيبة ضخمة جداً. سألت زوجتي باستغراب عن الحقيبة التدريبية: ما هيتها وسبب وجودها وحجمها الضخم. أخبرتني أن هذه الحقيبة مع حقائب تدريبية لمواد أخرى تؤهل خريج المحاسبة للحصول على زمالة الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين. وتحتاج لجد ومثابرة لأن عدد المجتازين ليسوا بتلك الكثرة. أجبتها فوراً وضاحكاً: أنا سأحصل على الزمالة قبلك! أجبتها مازحاً، إذ لا علم لي بماهية الزمالة. قمت في ذات اليوم بالبحث في النت عن ماهية الزمالة. أردت الاستزادة عن ماهيتها وما تشكل وأهميتها. بعد ساعات قليلة من القراءة، ذهبت لأقرب مكتبة كتاب مستعمل. بحثت عن كتب المحاسبة التي تؤهل للزمالة ولتعرفني عليها. وكان منفذ المعرفة لهذا الأمر هو كتاب الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين؛ معايير المحاسبة السعودية. وعندما عدت للمنزل وبدأت تصفح هذه الكتب، أخبرت زوجتي أن الهندسة التي أغلقت أبوابها في وجهي، قد قررت التخلي عنها للأبد، وسيكون هدفي وطموحي حالياً متجه صوب زمالة المحاسبين القانونيين. كيف أحصل على الزمالة وأنا لا أعرف المحاسبة ولا أحمل شهادة جامعية تؤهلني لذلك؟

كنت قد انتهيت من ثلاثة مستويات في الدراسة الجامعية. لكن لا أستطيع دراسة الزمالة لأن تخصصي اقتصاد والتخصص المطلوب محاسبة. وكأن الله أراد لهذا الحلم الوليد أن يتقدم رغم المعوقات، فقررت الجامعة حينها فتح تخصص المحاسبة والبدء به. وقررت الانتقال إلى تخصص المحاسبة. بدأت بدراسة هذا التخصص ليس بهدف الحصول على الشهادة الجامعية، بل لهدف الحصول على الزمالة كهدف رئيسي، والشهادة الجامعية ليست إلا مسار للزمالة، لكن لما لا يكون هذا المسار هو الممهد الحقيقي للزمالة؟ كل ما سأتعلمه سيكون اختبار أولي للزمالة. وهكذا قررت أن أسير في هذا التخصص. كل مادة، وكل مستوى، هو اختبار أولي للزمالة. إذا أردت النجاح في الزمالة يجب ألا انجح فقط في المواد الجامعية، بل وأن انجح بتفوق، وبتقدير امتياز، وأكثر من ذلك أن أحصل على مرتبة الشرف الأولى. بل لما لا أكون الأول على دفعتي. كل هذه الأمور فكرت وقررت العمل بها وتنفيذها.

في تلك الفترة استقلت من عملي، وانتقلت للعمل في المجال المالي والاستثماري، بعيداً عن مجالي الهندسي والفني. الحلم الذي أغلق بابه في وجهي، أغلقت كل منفذ يتجه إليه. وبدأت العمل بجد ومثابرة في تخصص المحاسبة.

كل ما تدرسه من اتجاهات مالية ومحاسبية سيكون لها أثر في دراسة الزمالة مستقبلاً. أثناء دراستي الجامعية كنت أحاول معرفة عن عدد الشهادات المهنية القريبة من الزمالة. كان الأقرب هي شهادات المعهد المالي – هيئة السوق المالية CME بكافة تخصصاتها: CME1.CME2.CME3. هل سيكون حصولي على هذه الشهادات فيه فائدة لدراسة الزمالة مستقبلاً؟ لم أفكر كثيراً لعدم معرفتي وقلة خبرتي. لكن قررت أن الحصول على هذه الشهادات قد تكون بوابة للمعرفة، قد تعطيني ولو معرفة بسيطة مستقبلاً. قررت حينها أن أدرس وأحصل على هذه الشهادات المهنية الثلاث أثناء دراستي الجامعية، واستطعت الحصول عليها في فترة قياسية لا تتجاوز خمسة أشهر. أعطتني الدافع لأن أتقدم. وفتحت لي أبواب معرفة كبيرة، رغم أن الجانب المحاسبي متواضع، بل لا يذكر، لكن المفاهيم المؤسسية والاستثمارية والحوكمة والأنظمة كان لها أبلغ الأثر في المرحلة الجامعية والزمالة.

قبل تخرجي بسنة واحدة، قمت بشراء الحقائب التدريبية لزمالة الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين. اتخذت قراراً: سأدرس الزمالة قبل التخرج. بحيث إذا حصلت على الشهادة الجامعية، سأتقدم لاختبارات الزمالة بشكل مباشر. كان هناك ضغط كبير، نوعية المواد الجامعية تزداد قوة وكثرة، ومواد الزمالة تحتاج تفرغ، ولدي عائلة وعمل؟ كيف أستطيع الموازنة بين هذه الأمور؟

كانت زوجتي متفهمة بما أقوم به، وكانت تعذرني لهذا الانقطاع الذي يستمر ساعات طويلة في مكتبتي. بل وكانت تشجعني أن استمر. أنا ممتن لها، دون رجاحة عقلها وحكمتها لم أصل إلى ما وصلت إليه.

كنت أدرس المواد الجامعية وثلاث مواد من مواد الزمالة: المحاسبة وفقه المعاملات والأنظمة التجارية. الدراسة الجامعية أفادتني كثيراً، من خلالها لم أفهم تخصص المحاسبة وحسب، بل وأصبحت مدمناً عليه، متخصصاً في قراءة المؤلفات عنه وعن المعايير الحاكمة لهذا التخصص وما يتصل به. لم تصبح دراسة لأجل الدراسة، بل دراسة لأجل الشغف. وكان التوفيق حليفي بوجود أساتذة جامعيين أفادوني كثيراً، وأصعب المواد التي كان الطلاب يشتكون منها كانت من أفضل المواد. كنت أحاول خلق تقنية حسابية في الحل المحاسبي قائمة على الفهم أولاً وأخيراً، ثم البناء على هذا الفهم حتى أصل إلى النتيجة المنطقية.

تخرجت من الجامعة في بداية عام 2018م. محققاً ما عزمت أن أقوم به، أن أحصل على الشهادة الجامعية، وبتفوق، ومع مرتبة الشرف الأولى. وفور تخرجي تقدمت للهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين لاختبارات الزمالة. لم يعد الهدف الحصول على الزمالة، بل وسأنهي الزمالة في سنة واحدة. هكذا وصل طموحي. رغم يقيني بصعوبة تحقيقه إن لم تكن مستحيلة.

دراسة الزمالة أجمل تجربها مررت بها في حياتي. مليئة بالتحديات والجهد. كان هناك هدف واضح: لدي يقين بأني سأتعثر في دراسة الزمالة. رحلة إلى قمة جبل عالي، لا تستطيع السير بشكل مستقيم حتى تصل إلى قمته، بل هو جبل مليء بالتفرعات والمسالك والاتجاهات. أحتاج لأن أسير بشكل مستقيم، وأتسلق، وأقفز، واركض. سأتعثر وأسقط، لكن لدي العزيمة للسير قدماً حتى أصل إلى الأعلى.

كم عدد الملخصات التي كتبتها حتى أقوم بتلخيص مادة المحاسبة؟ 1200 صفحة كلها ملخصات وتحليلات ومسائل وقوائم. كنت لا أترك قائمة مالية دون تحليلها وتفصيلها. جلست ساعات طويلة حتى أفهم التدفقات النقدية، والقوائم الموحدة، والتضخم والتغير في سعر الصرف، والأولية والتشغيلية. أنا مستعد للدخول في الاختبار، اختبار ثلاث مواد في الدورة الأولى: المحاسبة والأنظمة والفقه.

التجربة الأولى في اختبار المحاسبة: صدمة. أيقنت بأني تعثرت. لم أعرف هل أديت الاختبار كما هو مطلوب، أم يجب أن اعترف بالأمر بأن هذا الاختبار كان كارثة بكل ما تحمله الكلمة من مقاييس. أين ذهبت الساعات الطوال في محاولة فهم المحاسبة؟ خرجت من الاختبار ولدي من اليقين بأني لم أدرس شيئاً. بل ولم أفهم شيء من المحاسبة، لكن كيف؟ لا أعرف! ظهرت نتيجة الدورة الأولى: ناجح في الأنظمة والفقه، لكن المحاسبة: فشل، محققاً 45 درجة. ينقصني 15 درجة لكي أتخطى. كيف يمكن التعامل مع المحاسبة؟ أعتقد بأني قمت بكل ما أستطيع ولم أنجح. أشاهد بعض الزملاء يكرر اختبار المحاسبة مرتين وثلاث وأربع حتى يتخطى المحاسبة. سأستمر لكن كيف؟

عدت مرة أخرى لدراسة المحاسبة، محاولاً دراسة ما لم أدرسه سابقاً من موضوعات غير موجودة في الحقيبة التدريبية للهيئة. قراءة المعايير بشكل أكثر جدية، والتطرق لبعض المعايير غير المذكورة في الحقيبة مثل معيار المنشآت الصغيرة ومتوسطة الحجم، والتأمين وضرائب الدخل والموارد الطبيعية. درست المحاسبة بجدية أكثر، استعنت بإصدارات الهيئة، لكن، قررت في ذات الوقت أني سأختبر المحاسبة في الدورة الثانية ومعها مادة المراجعة: المادة الثانية في الصعوبة من مواد الزمالة. إما النجاح في أحدهم أو النجاح بكليهما، يجب أن يتحقق هدف. المحاسبة كهدف أول، والمراجعة كهدف ثاني.

كان بعض الزملاء يصفون الأمر بالتهور. لا يمكن الجمع بين المحاسبة والمراجعة. في هذه الأمور لا يوجد ثوابت، بل يوجد تحدي، وأنا قررت أن أخوض غمار هذا التحدي بكل ما فيه من مشقة وتعب. دخلت اختبار الدورة الثانية وأنا كلي أمل بأني سأنجح. وخرجت منه بذات شعور اختبار الدورة الأولى، ولكن كان لدي يقين بأني قمت بعمل جيد جداً. قبل أن تصلني النتيجة توقعت الرسوب في كلا المادتين، وكم كانت فرحتي عظيمة عندما وصل المسج بأني ناجح في المحاسبة، ولم أنجح في المراجعة رغم أني حققت فيها 56. تبقى 4 درجات على النجاح. وفي اختبار الدورة الثالثة تخطيت المراجعة والزكاة والضريبة، وحصلت على الزمالة.

بداية عام 2018م حصلت على شهادة المحاسبة. نهاية عام 2018م حصلت على الزمالة. توجد صعاب، توجد عثرات، توجد سقطات موجعة، لكن امتلك حلمك أولاً وقاتل في سبيله. قبل أن أدرس الزمالة سمعت عن حالات الفشل في تخطي مواد الزمالة، والنجاح في بعضها، وتكرار الاختبار في عدة مواد. هذه الأحاديث بقدر ما هي محطمة، بقدر ما هي قادرة على بث العزيمة بداخلك لتحقيق أشياء يصعب تصورها. لا أقول مستحيلة، لأن المستحيل لا يمكن تخطيه. امتلك حلمك وانطلق. هذه كانت رؤيتي، وهذا ما عقدت، وقد تحقق، والحمد لله.

إلى الزملاء الذين يدرسون الزمالة، هذه مراجعي في دراسة الزمالة.
مادة المحاسبة:
1- الحقيبة التدريبية للهيئة
2- كتاب خبير المعايير الدولية: المجمع العربي للمحاسبين القانونيين
3- ملخص مادة المحاسبة المتقدمة: طالبات جامعة الملك سعود
4- الارشادات التطبيقية لمعايير التقرير المالي: الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين
5- أسئلة حساب السوكبا
6- محاضرات الدكتور أحمد الراجح: جامعة الامام: محاسبة التكاليف: فصل المراحل والأوامر الإنتاجية:

مادة المراجعة
1- حقيبة الهيئة التدريبية
2- قراءة معايير المراجعة الدولية: موقع الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين

مادة الزكاة والضريبة
1- حقيبة الهيئة التدريبية
2- الحقيبة التدريبية والاسئلة العملية لمركز تمكين المالي: دورة مع المحاسب القانوني علي الناصر

مادة الأنظمة التجارية وفقه المعاملات
حقيبة الهيئة للمادتين كافية

نُشِرت في يوميات | 29 تعليق

كواليس



كيف يمكن للقارئ أن يتعامل مع كتاب عبدالله اللِذيذ: كواليس؟

إنه ليس رواية، ولا قصة قصيرة أو كتاب فكري، وهذه ميزة كتاب الكواليس: هو يجمع أفضل ما في الرواية والكتاب الفكري والسيرة الذاتية، هو معرض فني، أو بصورة أوضح، هو متحف فني لتاريخ الآداب والفنون والأحداث التاريخية. كل صفحة من صفحات هذا الكتاب تحمل موضوعاً يخص شخصية معينة، تطرح في إطار معين وبأدوات محددة، وكل أداة من هذه الأدوات تم تقديمها بحرفية وفنية عالية؛ الرسم والخط والنص والفكرة، وهذه الأدوات اجتمعت مع بعضها البعض في إطار محدد، وانتجت متحفاً فنياً يحمل كل مقومات الآداب والفنون.

كل الرسومات في الكواليس كانت تعبر شخصيات محددة، أدبية أو فنية أو حتى شخصيات عامة. إن مسألة رسم شخصية ما ليس بحدث استثنائي، إلا إذا ظهرت وهي تحمل معنى محدد وسبباً جوهرياً لأن تظهر بهذا الشكل. أن ترسم شخصية معينة، بإمكان كل رسام أن يفعل ذلك، لكن الموضوع الذي يتم فيه تقديم هذه الشخصية هو المسألة المهمة، ولذلك يجب على الرسام أن يستوعب ما تحمله هذه الشخصية، وما يريده الرسام أن يظهره من فكرة من خلال الصورة. في أحد الرسومات كانت الصورة للروائي الروسي دوستويفسكي، معصب العينين في ساحة الإعدام، والبنادق موجهة باتجاهه، ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بحقه. من بين كل أحداث سيرة دوستويفسكي، والتي تنافس في قوتها وإثارتها وأحداثها أقوى أعماله الروائية، هل هناك ما هو أهم من تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، والتي أحدثت تأثيراً هائلاً في أدبه وحياته؟ وعندما نشاهد هذا الحدث الذي كان تاريخياً بكل معنى الكلمة، نقرأ أشهر رسالة دوستويفسكي في الصورة: رسالته إلى أخيه بعد أن تم العفو عنه.
إقرأ المزيد

نُشِرت في فن تشكيلي | تعليق واحد

يا يبه

يا يبه

منذ تلك اللحظة التي صمت فيها ولم تعد تتجاوب معنا، منذ تلك اللحظة، قبل شهر على وجه التحديد، حين رحلت إلى الله، فقدتك، وفقدت جزءًا كبيراً من حياتي وكياني معك. اكتب إليك وأنا موقن بأن صوتي لا يصل إليك. لكني اكتب في محاولة لأن احتفظ بك في ذاكرتي وعقلي، في تاريخي وحياتي. اكتب وأقص عنك وأخاطبك لأبكي يا يبه. أنا الذي ظننت بأني قادر على تلقي صفعات الحياة والقدر، وأستطيع تحمل الشدائد والعظام، ما إن أسمع حديثًا عنك، أو أشاهد صورة لك، أو أحمل أشياءك العزيزة على قلبك، حتى أفقد السيطرة على نفسي، وأبكي. أبكي حبا لك، وشوقا لك، وحزنا على فقدك وفراقك.

حين أنظر يا يبه إلى سيرة حياتي القصيرة هذه، أجد تفاصيلك الحية في كل نقطة مركزية منها. كنت تؤدي دورك كأب يرعى ابنه، يسهر عليه، يداويه، يقف معه، ولا تنتظر الشكر والعرفان. كان هذا دورك الذي كتب لك، ولم تعرف أن دورك كأب ووالد كان ساحقا ومؤثراً. لم أعترف لأحد من قبل، حتى لك، لم أعترف لك بذلك. لكني أشهد بذلك، أنك، في تلك اللحظة التي شاهدتني فيها قد قاربت على السقوط الهائل، كنت أنت من أمسك بي، وانتشلني، وأنقذني، كنت أنت من أشعل فيني شرارة الأمل، أن أكون إنسانا جاداً يستطيع أن يفعل، ويعيش، مثلما فعلت وعشت حياتك العظيمة.

ظننتك خالداً يا يبه. طوال سنين عمرك الثمانين، كنت أظنك ستكون خالداً. كنتَ عظيما في حياتك. عشت يتيما في طفولتك. لكن ذلك لم يمنعك أن تعيش الحياة بكامل تفاصيلها الحيّة والرائعة. لم يكن لأحد فضل عليك، إلا الله. حوّلت كل ما كان سيئا ومحبطا إلى شيء سعيد ورائع. لم تكن تحلل الحياة وتفكر فيها كثيراً، كنت تفضل الإنطلاق والعمل مباشرة، أن تفعل، لتعيش. امتلكت محلاً تعمل فيه، لم يعلمك أحد الحرفة التي تحب. أنت من علمت نفسك، وكنت معلما في صناعتك الخاصة. غير أن هناك شيئا واحداً أعدّه أعظم ما في حياتك يا يبه. شيئا عظيما، يجعلني أتساءل غير مصدق: كيف كان لك القدرة الهائلة على أن تصفح عمن ظلمك؟ أن تصفح وتغفر لمن صادر ما هو حق شرعيّ ثابت لك؟ كنت تحكي لنا تلك الحادثة مراراً في طفولتنا. وتوقفت عن قولها عندما كبرنا، وبعد أن توفى كل من ظلمك وصادر حقك. كنت تشعر بمرارة الظلم الواقعة عليك، لكن، في عمرك الستين، قررت أن تغفر وتمضي في حياتك الممتدة أمامك يا يبه.

هل كنت تعرف يا يبه ما الذي كان يجري طيلة هذه السنوات الثلاث الماضية؟ ظننت بأنك تعرف، لكن الواقع الذي تم الكشف عنه في رحلة مرضك الأخيرة، أنك غير موقن بما جري يا يبه. تحوّل نظام بيتنا إلى حياة طوال الأربعة والعشرين ساعة دون أي راحة. منذ أن فقدت القدرة على السير، وأنت لا تستطيع أن تنام ساعة كاملة متواصلة. طوال هذه السنوات الثلاث كلها. كيف استطعت تحمل هذه الحياة دون أن ترتاح ولو لساعة واحدة كاملة؟ كان ضيق التنفس حجر عثرة في طريق حياتك. حطّم صدرك، لكن قلبك وروحك كانت كما هي. وأمي يا يبه قصة أخرى. مهما كتبت عنها لن أوفيها حقها. لم تستطع النوم كذلك لثلاث سنوات متواصلة، كان نومها متقطعا. وكيف ينام المرء وأنت تنادي كل ساعة، كل نصف ساعة، كل عشر دقائق. كان ذلك النداء ينطلق في الفجر، في العشاء، والمغرب، وكل وقت. تناوبنا أنا وأختي وأمي عليك يا أبي طيلة هذه السنين. وحين تأتي أيام الاجازة، أبقى بقربك، وأطلب من أمي أن ترتاح لساعات علّها تهنأ فيها.

منذ شهرين، ذهبت يا يبه في نوم عميق. لم نصدق أنك نمت لعدة ساعات متواصلة، كان ذلك شيئا استثنائيا،ً لكنه الاستثناء الذي لا مثيل له. كنت تستيقظ عندما ننادي عليك، لكنك لا تعرف حينها ماذا يجري، وترجع إلى غفوتك. ذهبنا بك إلى المستشفى، وهناك، بدأت معركتك الأخيرة مع التنفس ونقص الاكسجين. كانت معركة طاحنة امتدت لثلاث سنوات، كنت تقاسي فيها الضيق وعدم الراحة، والشعور بالتعب والارهاق. انتهت المعركة بإدخال أنبوب التنفس في جسدك. لم أستطع تخيّل جسدك وأنت في هذه الحال. كنت أراك دائما قويا،ً تحمل من مصاعب الدنيا الشيء الهائل، فكيف لك أن تكون على هذه الحال التي لا تنتمي لطبيعتك. من هذه اللحظة يا يبه لم تعد لديك القدرة على الكلام. ذهبت في غيبوبة عميقة. غيبوبة حرمتني أن أسمع صوتك ولو لمرة واحدة. كنت أريد أن اسمع صوتك ولو لمرة واحدة فقط، أن تقول ما تشاء، أي شيء، فقط أن أسمع شيئا من صوتك الذي أعرف وتربيت عليه. ذلك الصوت الجهوري الذي يحفر في الذاكرة. كيف يمكن ألا أسمع ذلك الصوت القوي الهادر الذي لا يجد المرء مفراً من أن يطيع وينصاع له؟ تخبرني الطبيبة المناوبة عنك، تقول إنك كنت تنادي بعدة أسماء قبل أن تغفو. كان من بينها اسمي: ممدوح. ليتني كنت هناك لأسمع الأسماء، أحتفظ بها إلى أن أموت. لكنك رحلت ولم أسمعها منك.

في الأسبوع الثاني لغيبوبتك، حضرتُ لزيارتك. كانت أمي- كما هي دائما – معك، بالقرب منك. تقرأ عليك، وتمسح على رأسك. أمي قوية، لكني كنت الضعيف حينها يا يبه، وبكيت عليك. بكيت على حالتك، وتلك الأجهزة الموصولة بك من كل جانب، تمدّك بالحياة. تقول لي أمي: اذكر الله، واحمد الله على كل حال. وادعُ له. طلبتْ مني حينها أن أقوم بالاعتذار إليك، وأن استسمح منك. قرّبت رأسي نحوك، وأمسكت رأسك بيدي اليمني. قرّبت فمي علّك تسمعني. وحين هممت أن أقول إني آسف على كل شيء، كل شيء فعلته، حتى لو كان جيداً، ضاعت الكلمات تماما. لم أستطع أن أعتذر إليك، لم أستطع قول شيء، ليس لأنه ليس هذا وقت الاعتذار، بل لأن قلبي تلك اللحظة كان لا ينبض إلا بحبك. كنت هائما بك، وحزينا وخائفا عليك.

في اليوم الأخير لك في هذه الدنيا، زرتك. كنتُ مثقلاً بالألم يا يبه. التنفس يحاصر جسدك. والدم أصبح سائلاً، متسمما،ً بصفائح قليلة. لكن، كنتُ سعيدا لأنك لا تشعر بشيء يؤلمك أو يضيّق عليك راحتك. لم أستطع الاقتراب منك. الأجهزة عليك من كل جانب. ونبضات قلبك بدأت تضعف. قال الطبيب إنه مع أي انخفاض جديد في نبضات القلب، ستكون الفرصة نادرة. وأضاف معتذرا: قمنا بكل شيء، والأمر بيد رب العالمين. هممتُ أن أقبّل رأسك، لكن لم أستطع، لا يوجد منفذ إليك. قبّلت صدرك، واحتضنته، وغادرت. كانت أختي بالقرب منك. تقول لأمي: إن ممدوح قبّل والده وكأنه يودعه. لم أودعك يا يبه حقيقة، لأني لا أستطيع تخيّل كيف أودعك.

في الرابعة فجراً يا يبه، نادتني أمي. كنت أحاول النوم ولم أستطع. وحين التفتّ لأردّ عليها، اكتشفتُ أنها غادرت. هل كان حلما أم حقيقة؟ ذهبتُ لأستطلع الأمر، يقينا بأني سمعت أمي تناديني. وحين ذهبت عدة أمتار وجدتها واقفة. ما الأمر؟ لم أرَ أمي بهذه الحالة من قبل يا يبه. كنت أسال: ما الأمر؟ ما الذي جرى؟ كانت تبكي بكاءً صامتا،ً لا تريد أن تخبرني بحقيقة ما جرى بصورة مفزعة. أمسكتُ بها بقوة وسألتها مرة أخرى بصوت أعلى عن الذي يجري، لم تجاوبني يا يبه. بكت تلك اللحظة. بكت بحرقة، وهي تقول بصوت متقطع: أبوك. عرفت حينها حقيقة الأمر، لا داعي للتفسير. احتضنتها، أحاول تهدئتها. غير أنها كانت البداية الحقيقية للبكاء، للفقد، لفقد الأب والزوج والروح الخالدة التي كانت تظلّ هذا البيت وتسكن فيه.

ذهبت إلى المستشفى. انتظرتُ في الخارج ساعة كاملة قبل أن يُسمح لي بالدخول. صعدت إلى غرفة العناية المركّزة، حيث يرقد جثمانك. كانت أختي وعمي هناك. وحين شاهدت جسدك المغطى بكيت يا يبه. رأيتك الليلة الماضية، وها أنا أراك مغطّى. كشفت عن وجهك، وقبّلت رأسك مرات عديدة، وبكيت على صدرك. كان وجهك يفيض بالألم الذي قاسيته سنوات طوالا، لشهرين ماضيين، حاصرتك مختلف أنواع الأمراض، انقضّت عليك واحدا تلو آخر. أيقنت أن هذه هي الحقيقة، أنك غادرت إلى جوار ربك.

من نعم الله علي يا يبه، أني رافقت جسدك منذ أن رحلت إلى جوار ربك حتى منزلك الأخير. كنت أنا الوحيد من أبنائك الذي رافقك فيها، كل دقيقة، كل ثانية. لم أتركك. أخذتك إلى المسجد. وطلبت منهم أن ينتظروني، سأكون أنا من يقوم بتغسيلك وتكفينك. وحين رأيتك ممداً يا أبي، كنت سعيداً. سعيداً وفرحا. رأيت جسدك الذي يتحمل الآلام، رأيت جسدك القوي، رأيته وكأنّ الحياة قد عادت إليه. انتصر عليك المرض في الحياة، لكنك انتصرت عليه في الموت. وها أنا أشاهد بياض صدرك، ووجهك الذي أعرفه، قويا وعظيما. اتصلتُ على أمي وكل أخوتي. طلبت منهم أن يأتوا لرؤيتك ويسلّموا عليك. حضروا كلهم. وقفتُ فوق رأسك، أحاول أن أواسيهم لفقدك. كنت أحاول أن أشد أزرهم، قائلا إنك بين يدي رحمة الله، وهذه الأقدار التي سنسير إليها. لكن كيف يمكن أن تهدّئ من روع أهلك على فقد رجل هو أبوك؟ كانت أمي أول من شاهدك. قبّلت رأسك واحتضنتك. بين القبلة والأخرى كانت تعتذر على ما فعلت. تعرف أمي جيداً يا يبه. لقد تحمّلت وقاست الكثير معك، في مرضك. لكنها الأم والزوجة المحبة، تعتذر وتتأسف وتحلل الزوج والحبيب والراعي. ومروا تباعا إخوتي الباقون. منهم من ارتمى على صدرك، منهم من أمسك بقدميك، وكأنه يريد الاحتفاظ بها، يقبلها بين الفينة والأخرى. ولا زلت واقفا فوق رأسك، أحاول تهدئة من تعرضوا للفقد.

كنت متماسكا وقويا. وحين انتهوا طلبت منهم المغادرة، جميعا. لا أريد أن أودّعك وهم موجودون. كنت أريدك لوحدي. وحين غادروا، صغارً وكباراً، ارتميت عليك يا يبه. ألقيت بكامل قواي على جسدك، على رأسك وصدرك. بكيتُ كثيراً. ولو كان الوقت طويلاً، لبقيت هناك أطول. لو كان البكاء مقدّسا،ً فسيكون تلك اللحظة. لم أبكِ يوما على فقد أحد مثل فقدك. ولم أحزن على حدث مثل حزني على موتك. كنتَ نعم الأب، ونعم الزوج، ونعم العم، ونعم الجد.

منذ أن سكنت في منزلك الأخير في هذه الدنيا، وأنا بين فينة وأخرى أذهب إليك. أصلّي عليك، أسلّم عليك. أتحدّث معك، على أمل أن يكون هناك طريقة كي تسمعني. أخبرك فيها بما يجري وما يحدث. أخبرك أن فقدك وغيابك كان هائلاً وموجعا. أن الجميع يتسابق على صورك الشخصية والاحتفاظ بها. أخبرك بأننا نتقاسم الحديث عن حياتك، عن أفعالك. أخبرك عن أمي التي تترضّى عنك وتدعو لك كل وقت. أحدّثك عن بناتي، حفيداتك: ديمة وسارة. كلما مر اسمك وذكرك لا أجيب إلا دامعا. أعرف منزلك الأخير جيداً يا يبه. حين فرغنا من دفنك، خشيت أن تضيع من بين زحمة القبور. فأخذت شماغي الذي أرتدي، وقمت بربطه على شاهد قبرك. وكأني أحب أن يرتبط شيء ما خاص بي، بمنزلك الأخير في الدنيا يا يبه.

أحبك يا يبه. الله يغفر لك ويرحمك.

ممدوح

نُشِرت في يوميات | 5 تعليقات

حذار من الشفقة


قد يكون هناك اختلاف حول مركز ستيفان تسفايج في فن الرواية، وهل هو روائي مبتكر من الصنف الأول من الروائيين العباقرة الذين أحدثوا تأثيراً هائلاً في مسار الأدب في القرن العشرين، أم هو من صنف آخر لم يحدثوا تأثيراً هائلاً، لكن استطاعوا أن يقدموا أدباً متميزاً لا تكاد تلمح منه أي سلبية. تسفايج يصعب تصنفيه. فهو كاتب متعدد في اتجاهاته الأدبية، ويرجع ذلك التعدد إلى عشقه للفن والأدب والتغيرات الكبرى التاريخية وحياة الأدباء والفلاسفة. يذكر في سيرته في كتاب عالم الأمس بما معناه أن أروع لحظات حياته عندما شاهد خادمة غوته، العين التي شاهدت غوته العظيم شاهدها. إذا كانت رؤية فرد شاهد أديب آخر يحبه الكاتب، فكيف هي نظرة تسفايج للأدب والفن؟ تسفايج في المقام الأول قارئ، ومن كبار قراء القرن العشرين بلا جدال، ومفكر نقدي، يكتب النقد الأدبي عن عشق وحب للأعمال الأدبية. لا يكتب لمجرد الكتابة النقدية، بل يكتب وهو مستوعب لما يريد الكتابة عنه ويفهم كل مداخل ومخارج المادة التي تتعرض للنقد الأدبي. فهو حين يكتب عن بلزاك فهو يقرأ كل أعماله الروائية والقصصية، ثم يكتب عنه لا بروح الناقد الذي يبحث عن الزلات أو الأخطاء، ولا هو بالناقد الذي يغرق في مصطلحات وأساليب لا تكاد تفهم منه شيئاً، هو يكتب كقارئ عاشق لبلزاك، يريد أن يشاركه الآخرين ما وجده من فن وإبداع قل أن يتكرر في أعمال الملاحم الإنسانية الأدبية. وهو كذلك كاتب متخصص في سير بعض الأدباء والفلاسفة. ما يجمع كل هذه الفروع من الكتابة هو الفن، الفن الذي يضرب في الروح. وستيفان تسفايج إن لم يكن عبقرياً مؤثراً مثل كافكا أو جويس، فهو فنان عصره، العصر الذي امتد قبل بداية القرن العشرين إلى منتصفه.

أي أدب، مهما كان تاريخه وثقافته لا يخلو من الكتابة عن الحب، يكاد يكون أمراً فطرياً مشتركاً بين كل الثقافات والاتجاهات. لكن ما يميز كل كاتب عن الآخر هو في طريقة كتابته عن الحب: تصوراته عنه ورؤيته وتأثيراته الممتدة. يمر في ذهني عدة مؤلفات عن الحب: من ستندال في كتاب الحب إلى المؤلف الاسباني خوسيه أورتغا في كتاب دراسات في الحب، إلى كيركيجارد في أعمال الحب وابن حزم في مؤلفه طوق الحمامة، ورسائل أبلار وإلوزا البديعة.
هل يجب أن أقرأ دراسة ما أو تحليل لعدة أعمال أدبية حتى يقدم مؤلف ما تفسيره للحب: ظاهرة وشكلاً وتصوراً وتأثيراً؟ كل فرد في هذه الحياة مر بتجارب عديدة في الحب يصعب حصرها وتفسيرها إذ تختلف في ظروف نشأتها، واتجاه هذا الحب، وهل هو حب دائم حجز له في القلب مكاناً أم هو عابر لا يكاد يسجل له أثر في الذاكرة. والحب تجاه الطرف الآخر يختلف: من هو الطرف الآخر الذي تحب، وماهي نوعية العلاقة ودرجة القرب والبعد منه، وهل هي علاقة حب فطرية أبوية أم هي تلك العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة؟ والصداقة التي تكاد تكون مثالية للغاية ورائعة، هل الحب هو الأساس في هذه العلاقة؟ وما هي درجة هذا الحب، إذ لا يمكن تصور الحب صورة واحدة، بل عدة صور يصعب حصرها، وكل صورة منها يحمل معه التأثير الخاص به.

الرواية لا تفسر الحب، بل تقدمه كما هو، وحين الحديث عنه يكون هدف الروائي منصباً على درجة العمق والاتساع والتأثير والسبب والنتيجة وإلى أين سيؤدي. تولستوي في آنا كارينينا لم يفسر لنا العلاقة، بل أظهر التأثير لعلاقة الحب التي جمعت بين أبطال الرواية وكيف انتهت كل علاقة أو بمعنى أصح إلى أين اتجهت هذه العلاقة، إذ لا يوجد نهاية للحب.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب ألماني | 2 تعليقان

شاعر الطب أو بخير على نحو خطر.


القراءة في بعض حقول المعرفة مثل الطب والفلك والعلوم تكون على الأغلب موجهة لمن يريد القراءة والتبحر في هذه العلوم بشكل خاص. وكلما تعمق المؤلف في تخصصه وطرحه العلمي تقل عمومية الطرح العلمي لتكون خاصة بمجموعة محددة من المهتمين. المؤلف لا يسعى إلى إضافة المتعة، أو أن يجعل المتعة مترافقة مع الطرح العلمي. من هو مهتم حقاً وتجذبه الحقول المعرفية التخصصية لا يبحث عن المتعة لأن ما يبحث عنه هو ما يمتعه حقاً. لكن؛ من قال بأن مثل هذه المجالات المعرفية لا يمكن بأن تتضمن المتعة والإثارة؟ قبل عدة سنوات قرأت كتاباً علمياً من أجل التغيير وقراءة نوع آخر مختلف من الكتب، وكانت تجربة ناجحة ومدهشة. كانت مصادفة رائعة بأن بعض الكتب العلمية تحمل الدهشة والمتعة والإثارة، وتحمل جاذبية النصوص الأدبية. وحتى اللغة المكتوبة أحياناً، يجنح المؤلف ويترك علميته ليكتب عن موضوعه بلغة شعرية بديعة

عالم الأعصاب والطبيب البريطاني أوليفر ساكس هو أروع مثال لمن جمع بين العلم والشعر في آن واحد. يضمن في طرحه بأن القارئ المهتم بعلوم الأعصاب والحالات المرضية سيجد أمثلة وحالات في تاريخ وأمراض علوم الأعصاب؛ أهداف ورؤى طبية وحالات مرضية يسعى إلى طرحها وتوثيقها ومناقشتها. يطرحها كمستكشف في حقل علمي هائل. ومع ذلك: هذه الرؤى والحالات الطبيعة فيها من السحر والتأملات الأدبية والفلسفية ما يجعل مؤلفاته نصوص أدبية تنافس في قوتها أعتى المؤلفات الأدبية التي حاولت أن تفسر شخصية الإنسان وسبر أغواره. لغة المؤلف علمية في طرحها، لا تكاد تمر صفحة من مؤلفاته دون أن يذكر عدة مصطلحات طبية ومرضية قد لا يفهمها إلا الطبيب أو المتدرب في الحقل الطبي. لكن هذه المصطلحات جاءت بقوة أدبية وطرح يميل لأن يكون شعراً. لا يتناول المريض أو الشخص كحالة أو رقم، بل هو إنسان له جذور وذاكرة ووجود وتاريخ. كل حالة مرضية في مؤلفات ساكس هي قصة قصيرة. المرضى هم الأبطال. وقوة النص الأدبي وتأثيره لا تأتي من تأثيرات المرض والحالات العصبية التي تجعل المريض في حالة صعبة، القوة والبطولة هي الحياة التي يعيشها المريض؛ كيف استطاع أن يحيى بذاته في هذا العالم المتلاطم الأمواج وقد فقد القدرة على التذكر أو الحركة أو أي نوع من أنواع الفقد والضياع، أي ملاذ وجده المريض واستمر في حياته سنين طوال مع المرض.

قرأت للمؤلف ثلاثة كتب: كتاب أريد ساقاً أقف عليها، وكتاب الرجل الذي حسب زوجته قبعة، وكتاب الموسيقى والدماغ.
إقرأ المزيد

نُشِرت في كتب علمية, أدب أمريكي, أدب إنجليزي | 7 تعليقات

باتريك موديانو أو أدب الذاكرة



في عام 2014 أعلنت الأكاديمية السويدية منح جائزة نوبل للآداب للروائي الفرنسي باتريك موديانو. لم يكن فوزه مفاجئاً أو متوقعاً. أشار البعض بأن إعلان فوزه بالجائزة أعاد الروائي الفرنسي إلى دائرة الضوء من جديد، داخل فرنسا وخارجها، بعد أكثر من ثلاثين سنة من فوزه بجائزة فرنسية مرموقة للأدب. قالت لجنة نوبل الأكاديمية إن الروائي الفرنسي استحق الجائزة بسبب تمكنه من فن الذاكرة الذي أنتج أعمالا تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم، وكشف العوالم الخفية للاحتلال.

يقال؛ عندما تريد رسم خارطة لدبلن يجب عليك أن تستعين بجيمس جويس، الذي رسم خارطة حية في أدبه للعاصمة الإيرلندية. ويقال: لا يمكن قراءة ومعرفة التاريخ الفرنسي في القرن التاسع عشر دون أن تعرف طباع الناس وحياتهم وأفكارهم من خلال الأديب الفرنسي دي بلزاك. لا يمكن تصور كتابة تاريخ فرنسا دون المرور بكوميديا بلزاك. وأقول: باتريك موديانو هو مسّاح باريس ورسامها الأبرز في الأدب الفرنسي. لا يكتب عنها بعشق كما يكتب فيكتور هيجو، ولا يستغرق في وصف الشوارع في الحدث الروائي كما بلزاك، بل يسير مع الشوارع الباريسية بأزقتها وشوارعها الممتدة ومقاهيها ومعالمها ويجعلها جزء من الذاكرة، توقظ في الفرد شتى المشاعر الإنسانية، ترتبط برؤية وحدث وذكرى وذاكرة. باريس هي أبرز شخصية في أدب باتريك موديانو

باتريك موديانو يتميز بأسلوبه الخاص به في الكتابة الأدبية. القارئ الذي اعتاد على النمط الروائي السائد من مسار متصاعد وقصة مركزية واضحة وشخصيات رئيسية، لن يجد مثل هذا الأمر على الاطلاق في أدب موديانو. الذاكرة الإنسانية الفردية ممتلئة بعالم قصصي هائل. هذه القصص يصعب البوح بها، إذ لا تشكل في مجموعها قصة بالإمكان سردها للناس. لكنها تحتل مكانة خاصة عند أي فرد يحمل بداخله مثل هذه القصص. إنها ترتبط بأشياء عميقة في النفس قد يكون حب، أو كره، أو لا مبالاة، مجرد حدث حفر له مكاناً في الذاكرة الإنسانية. شخصيات موديانو يبحثون في ذاكرتهم عن كل ما يدعم مسيرة حياتهم، أو حتى لإنقاذهم من الانهيار والسقوط. هذا البحث قد يأتي هادئاً إنسيابياً، حدث بسيط أو رؤية أو رائحة أيقظت ذكرى قديمة فتظهر قصة قصيرة أساسها مشاعر الإنسان. وقد يأتي البحث عنيفاً، قوامه البحث عن هوية. الزمن في أدب موديانو مثل أمواج البحر: متقلب، تارة يكون هائجاً ويضرب صخور الشاطئ بعنف، وتارة هادئ؛ بسيط. لا يأخذ وقتاً طويلاً عندما يعود إلى الماضي، إنه يعود ليستلهم شيئاً ما، ليقطف حالة شعورية مغيبة محفورة في الذاكرة، يرجع إلى الحاضر-رغم أنه غارق في لحظة الماضي الشعورية. الجملة الروائية في أدب موديانو مختصرة، نثره يركز على الطرقات والرؤى والذكريات والأحلام.

قبل أن أقرأ لباتريك موديانو تصفحت موقع القراءة قودريدز لأخذ فكرة مبسطة عنه من القراء وكيف ينظر القراء لأدب موديانو. أول ملاحظة لاحظتها أن تقييم أعماله فوق المتوسط بقليل، لم يصل إلى ترك الدرجة العالية من الشعبية. الملاحظة الثانية أن بعض القراء يتساءلون: ما هذا الذي يقوله المؤلف في أعماله: هل هناك إشكالية في ترجمة أعماله إلى لغات أخرى؟ لم أجد شيئاً يدفع إلى القراءة، باستثناء ملاحظة تقول أن موديانو هو وريث مارسيل بروست في كتابة الرواية.

قرأت خمسة أعمال روائية لباتريك موديانو في ظرف شهر واحد. وهي قراءة ما كان لها أن تتم لولا هذا الشغف الذي استولى عليّ بعد معرفة وتذوق أسلوب موديانو في الكتابة الروائية. موديانو يستحق نوبل تماماً. لم يقلد ويسير على النهج الروائي الكلاسيكي، بل خلق له شكلاً أدبياً بديعاً يصح بأن يطلق اسمه عليه. فنان في أسلوبه وتركيباته. القصة لا تنتهي؛ هي عالم من المشاعر والرؤى والنظريات والأفكار.

في رواية شارع المتاجر المظلمة الصادرة عام 1972م، وهي الفائزة بجائزة الغونكور الأدبية الفرنسية المرموقة، تظهر لنا شخصية تعمل في سلك التحقيقات الخاصة، يبدأ بمهمة غريبة وفريدة من نوع مختلف؛ يقرر البحث عن حقيقة نفسه، أن يعرف من هو على أرض الواقع وما اسمه وما هي هويته. شخص فقد الذاكرةـ، تربى عند شخصية أخرى ساعدته على تخطي أزمته العقلية وعمل معه، ثم قرر أن يبحث عن هويته الحقيقية بعد سنوات من الضياع. هذه الشخصية في رحلتها للبحث عن هويتها الحقيقية تسير دون بينة، تحمل دلائل بسيطة تقود إلى مناطق وشوارع وشقق ومنازل وطرق. كل هذه تحمل ذكريات عميقة لا تزول. كل منها يشكل دليلاً حياً أن هناك كائن حي، إنسان قد مر من هنا وشكل جزءاً من ذاكرته. لكن أين هي الذاكرة لرجل يبحث عن ذاكرة؟ عن ماضي لا يُعرف؟ ما إن يتلبس هوية جديدة ويجدها مناسبة له، حتى يفقد أساس وجوده وينتقل إلى هوية أخرى، هوية بعد هوية، ثم ماذا؟ باتريك موديانو لا يبحث عن حل لأزمة بطله. لكنها مثال حي لكل ما يحبه موديانو وما تفضله تقنياته: الشوارع، الذاكرة، الهوية.

في رواية مقهى الشباب الضائع الصادرة عام 2007 نص روائي واحد دون تقسيمات، يحمل عدة أصوات من شخصيات الرواية. كل هذه الشخصيات تقاطعت حياتهم في مقهى يحمل اسم مقهى كوندي أو مقهى الشباب الضائع. وقد يكون هناك شخصية مركزية هي شخصية الفتاة لوكي أو جاكلين. الصوت الروائي الأول يحاول استكشاف الفتاة التي تدخل المقهى من بوابة خاصة بها، فتاة غامضة دون اسم، تأتي في الليالي إلى هذا المقهى. أحد الشخصيات يسجل كل من يدخل إلى المقهى وساعة دخوله. وكأنه يريد حفظ الذاكرة الحية للمقهى والبشر من الضياع. أن يسجل في ذاكرة التاريخ أن شخصاً ما، من المسحوقين أو الهامشيين أو اللذين لا صوت لهم، مروا من هنا. النص الثاني نبرة مختلفة: محقق يبحث في تاريخ هذه الفتاة الغامضة، يكتشف القارئ أنها شابة متزوجة تركت زوجها والحياة معه وهربت. تجد في هذا المقهى حالة عزاء وتعزية. النص الثالث بصوت الفتاة نفسها. ما يجعل هذا النص مثيراً رغم الهدوء الذي يضرب أركانه أنه لا توجد رؤية واحدة للشخصية الروائية. توجد عدة رؤى، والقارئ يقرأ عن شخصية ما من عدة زوايا: من رؤية صديق، من رؤية غريب، من رؤية محقق، وأخيراً من رؤية الشخصية نفسها، مثل جاكلين التي تقص سيرة حياتها مع والدتها من الطفولة إلى الوفاة والزواج والهروب من المنزل. وهكذا يسير النص الروائي. قد تبدو جاكلين شخصية مركزية، لكن ثيمات موديانو المفضلة هي ما يجعل هذا النص الروائي جديراً بالاحتفاء: العودة إلى الذاكرة وشعور الذي وجد صديقاً رائعاً في المكان الخطأ والوقت الخطأ، الدفء الذي يحدث في أوقات استثنائية وغريبة بين الأم والفتاة، مشاعر الندم وعدم القدرة على الحديث. السير على الطرقات والجسور ولحظات التوقف. المقهى ليس مكاناً استثنائياً. ولم يحمل حدثاً قصصياً مركزياً. لكنه جزء من ذاكرة خالدة وحية: عند البعض هو لا شيء، وعند البعض الآخر، هو يحمل تاريخاً ووجوداً، وعالم من القصص والأحلام والذكريات.

رواية الأفق الصادرة عام 2010هي من أجمل ما قرأت لباتريك موديانو، وتقنياته في الأفق تتجلى بوضوح أكثر من أي عمل آخر. إن كان هناك من وصف قصير لهذا العمل فهي قصة رجل يبحث عن حبيبته. لا يوجد شيء آخر يمكن إضافته. لكن أسلوب موديانو هو أساس العمل الروائي. لم أشعر يوماً بأن الأسلوب أو الطريقة قد تكون هي أساس العمل وجماله. لكن موديانو يثبتها هنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن الأسلوب والشكل الروائي قد يحمل من وراءه رؤى وتصورات تختلف عن الأسلوب والشكل الكلاسيكي المتعارف عليه. السرد ينطلق على لسان بطلي العمل: جون بوسمان، ومارغريت لو كوز. الزمن الروائي في الأفق مثل موج يتبعه موج آخر، انتقالات زمنية سريعة للغاية أساسها الذكريات والمشاعر والسير على الطرقات، لكنها محكومة بلغة هادئة، شعرية ممسكة بمسار السرد الروائي الذي يسير بصورة خلابة وبديعة. أجمل قصص الحب هي تلك التي لا تشعر معها بأنك أمام قصة حب على أرض الواقع. قد تظن بأنها قصة صداقة رائعة، علاقة مثالية يندر أن تحدث. وقد تكون قصة حب. لكن لا وجود لأي ذكر لكلمة حب. هذا ما أحببته في رواية الأفق. انتهيت من قراءة العمل وأنا أشعر بأني أقرأ علاقة صداقة فيها من الطرافة والحب الشيء الكثير، وشعرت كذلك بأني أقرأ عن قصة حب جميلة وعذبة.

نُشِرت في أدب فرنسي | 2 تعليقان