شاعر الطب أو بخير على نحو خطر.


القراءة في بعض حقول المعرفة مثل الطب والفلك والعلوم تكون على الأغلب موجهة لمن يريد القراءة والتبحر في هذه العلوم بشكل خاص. وكلما تعمق المؤلف في تخصصه وطرحه العلمي تقل عمومية الطرح العلمي لتكون خاصة بمجموعة محددة من المهتمين. المؤلف لا يسعى إلى إضافة المتعة، أو أن يجعل المتعة مترافقة مع الطرح العلمي. من هو مهتم حقاً وتجذبه الحقول المعرفية التخصصية لا يبحث عن المتعة لأن ما يبحث عنه هو ما يمتعه حقاً. لكن؛ من قال بأن مثل هذه المجالات المعرفية لا يمكن بأن تتضمن المتعة والإثارة؟ قبل عدة سنوات قرأت كتاباً علمياً من أجل التغيير وقراءة نوع آخر مختلف من الكتب، وكانت تجربة ناجحة ومدهشة. كانت مصادفة رائعة بأن بعض الكتب العلمية تحمل الدهشة والمتعة والإثارة، وتحمل جاذبية النصوص الأدبية. وحتى اللغة المكتوبة أحياناً، يجنح المؤلف ويترك علميته ليكتب عن موضوعه بلغة شعرية بديعة

عالم الأعصاب والطبيب البريطاني أوليفر ساكس هو أروع مثال لمن جمع بين العلم والشعر في آن واحد. يضمن في طرحه بأن القارئ المهتم بعلوم الأعصاب والحالات المرضية سيجد أمثلة وحالات في تاريخ وأمراض علوم الأعصاب؛ أهداف ورؤى طبية وحالات مرضية يسعى إلى طرحها وتوثيقها ومناقشتها. يطرحها كمستكشف في حقل علمي هائل. ومع ذلك: هذه الرؤى والحالات الطبيعة فيها من السحر والتأملات الأدبية والفلسفية ما يجعل مؤلفاته نصوص أدبية تنافس في قوتها أعتى المؤلفات الأدبية التي حاولت أن تفسر شخصية الإنسان وسبر أغواره. لغة المؤلف علمية في طرحها، لا تكاد تمر صفحة من مؤلفاته دون أن يذكر عدة مصطلحات طبية ومرضية قد لا يفهمها إلا الطبيب أو المتدرب في الحقل الطبي. لكن هذه المصطلحات جاءت بقوة أدبية وطرح يميل لأن يكون شعراً. لا يتناول المريض أو الشخص كحالة أو رقم، بل هو إنسان له جذور وذاكرة ووجود وتاريخ. كل حالة مرضية في مؤلفات ساكس هي قصة قصيرة. المرضى هم الأبطال. وقوة النص الأدبي وتأثيره لا تأتي من تأثيرات المرض والحالات العصبية التي تجعل المريض في حالة صعبة، القوة والبطولة هي الحياة التي يعيشها المريض؛ كيف استطاع أن يحيى بذاته في هذا العالم المتلاطم الأمواج وقد فقد القدرة على التذكر أو الحركة أو أي نوع من أنواع الفقد والضياع، أي ملاذ وجده المريض واستمر في حياته سنين طوال مع المرض.

قرأت للمؤلف ثلاثة كتب: كتاب أريد ساقاً أقف عليها، وكتاب الرجل الذي حسب زوجته قبعة، وكتاب الموسيقى والدماغ.
أكمل القراءة

Posted in كتب علمية, أدب أمريكي, أدب إنجليزي | 5 تعليقات

باتريك موديانو أو أدب الذاكرة



في عام 2014 أعلنت الأكاديمية السويدية منح جائزة نوبل للآداب للروائي الفرنسي باتريك موديانو. لم يكن فوزه مفاجئاً أو متوقعاً. أشار البعض بأن إعلان فوزه بالجائزة أعاد الروائي الفرنسي إلى دائرة الضوء من جديد، داخل فرنسا وخارجها، بعد أكثر من ثلاثين سنة من فوزه بجائزة فرنسية مرموقة للأدب. قالت لجنة نوبل الأكاديمية إن الروائي الفرنسي استحق الجائزة بسبب تمكنه من فن الذاكرة الذي أنتج أعمالا تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم، وكشف العوالم الخفية للاحتلال.

يقال؛ عندما تريد رسم خارطة لدبلن يجب عليك أن تستعين بجيمس جويس، الذي رسم خارطة حية في أدبه للعاصمة الإيرلندية. ويقال: لا يمكن قراءة ومعرفة التاريخ الفرنسي في القرن التاسع عشر دون أن تعرف طباع الناس وحياتهم وأفكارهم من خلال الأديب الفرنسي دي بلزاك. لا يمكن تصور كتابة تاريخ فرنسا دون المرور بكوميديا بلزاك. وأقول: باتريك موديانو هو مسّاح باريس ورسامها الأبرز في الأدب الفرنسي. لا يكتب عنها بعشق كما يكتب فيكتور هيجو، ولا يستغرق في وصف الشوارع في الحدث الروائي كما بلزاك، بل يسير مع الشوارع الباريسية بأزقتها وشوارعها الممتدة ومقاهيها ومعالمها ويجعلها جزء من الذاكرة، توقظ في الفرد شتى المشاعر الإنسانية، ترتبط برؤية وحدث وذكرى وذاكرة. باريس هي أبرز شخصية في أدب باتريك موديانو

باتريك موديانو يتميز بأسلوبه الخاص به في الكتابة الأدبية. القارئ الذي اعتاد على النمط الروائي السائد من مسار متصاعد وقصة مركزية واضحة وشخصيات رئيسية، لن يجد مثل هذا الأمر على الاطلاق في أدب موديانو. الذاكرة الإنسانية الفردية ممتلئة بعالم قصصي هائل. هذه القصص يصعب البوح بها، إذ لا تشكل في مجموعها قصة بالإمكان سردها للناس. لكنها تحتل مكانة خاصة عند أي فرد يحمل بداخله مثل هذه القصص. إنها ترتبط بأشياء عميقة في النفس قد يكون حب، أو كره، أو لا مبالاة، مجرد حدث حفر له مكاناً في الذاكرة الإنسانية. شخصيات موديانو يبحثون في ذاكرتهم عن كل ما يدعم مسيرة حياتهم، أو حتى لإنقاذهم من الانهيار والسقوط. هذا البحث قد يأتي هادئاً إنسيابياً، حدث بسيط أو رؤية أو رائحة أيقظت ذكرى قديمة فتظهر قصة قصيرة أساسها مشاعر الإنسان. وقد يأتي البحث عنيفاً، قوامه البحث عن هوية. الزمن في أدب موديانو مثل أمواج البحر: متقلب، تارة يكون هائجاً ويضرب صخور الشاطئ بعنف، وتارة هادئ؛ بسيط. لا يأخذ وقتاً طويلاً عندما يعود إلى الماضي، إنه يعود ليستلهم شيئاً ما، ليقطف حالة شعورية مغيبة محفورة في الذاكرة، يرجع إلى الحاضر-رغم أنه غارق في لحظة الماضي الشعورية. الجملة الروائية في أدب موديانو مختصرة، نثره يركز على الطرقات والرؤى والذكريات والأحلام.

قبل أن أقرأ لباتريك موديانو تصفحت موقع القراءة قودريدز لأخذ فكرة مبسطة عنه من القراء وكيف ينظر القراء لأدب موديانو. أول ملاحظة لاحظتها أن تقييم أعماله فوق المتوسط بقليل، لم يصل إلى ترك الدرجة العالية من الشعبية. الملاحظة الثانية أن بعض القراء يتساءلون: ما هذا الذي يقوله المؤلف في أعماله: هل هناك إشكالية في ترجمة أعماله إلى لغات أخرى؟ لم أجد شيئاً يدفع إلى القراءة، باستثناء ملاحظة تقول أن موديانو هو وريث مارسيل بروست في كتابة الرواية.

قرأت خمسة أعمال روائية لباتريك موديانو في ظرف شهر واحد. وهي قراءة ما كان لها أن تتم لولا هذا الشغف الذي استولى عليّ بعد معرفة وتذوق أسلوب موديانو في الكتابة الروائية. موديانو يستحق نوبل تماماً. لم يقلد ويسير على النهج الروائي الكلاسيكي، بل خلق له شكلاً أدبياً بديعاً يصح بأن يطلق اسمه عليه. فنان في أسلوبه وتركيباته. القصة لا تنتهي؛ هي عالم من المشاعر والرؤى والنظريات والأفكار.

في رواية شارع المتاجر المظلمة الصادرة عام 1972م، وهي الفائزة بجائزة الغونكور الأدبية الفرنسية المرموقة، تظهر لنا شخصية تعمل في سلك التحقيقات الخاصة، يبدأ بمهمة غريبة وفريدة من نوع مختلف؛ يقرر البحث عن حقيقة نفسه، أن يعرف من هو على أرض الواقع وما اسمه وما هي هويته. شخص فقد الذاكرةـ، تربى عند شخصية أخرى ساعدته على تخطي أزمته العقلية وعمل معه، ثم قرر أن يبحث عن هويته الحقيقية بعد سنوات من الضياع. هذه الشخصية في رحلتها للبحث عن هويتها الحقيقية تسير دون بينة، تحمل دلائل بسيطة تقود إلى مناطق وشوارع وشقق ومنازل وطرق. كل هذه تحمل ذكريات عميقة لا تزول. كل منها يشكل دليلاً حياً أن هناك كائن حي، إنسان قد مر من هنا وشكل جزءاً من ذاكرته. لكن أين هي الذاكرة لرجل يبحث عن ذاكرة؟ عن ماضي لا يُعرف؟ ما إن يتلبس هوية جديدة ويجدها مناسبة له، حتى يفقد أساس وجوده وينتقل إلى هوية أخرى، هوية بعد هوية، ثم ماذا؟ باتريك موديانو لا يبحث عن حل لأزمة بطله. لكنها مثال حي لكل ما يحبه موديانو وما تفضله تقنياته: الشوارع، الذاكرة، الهوية.

في رواية مقهى الشباب الضائع الصادرة عام 2007 نص روائي واحد دون تقسيمات، يحمل عدة أصوات من شخصيات الرواية. كل هذه الشخصيات تقاطعت حياتهم في مقهى يحمل اسم مقهى كوندي أو مقهى الشباب الضائع. وقد يكون هناك شخصية مركزية هي شخصية الفتاة لوكي أو جاكلين. الصوت الروائي الأول يحاول استكشاف الفتاة التي تدخل المقهى من بوابة خاصة بها، فتاة غامضة دون اسم، تأتي في الليالي إلى هذا المقهى. أحد الشخصيات يسجل كل من يدخل إلى المقهى وساعة دخوله. وكأنه يريد حفظ الذاكرة الحية للمقهى والبشر من الضياع. أن يسجل في ذاكرة التاريخ أن شخصاً ما، من المسحوقين أو الهامشيين أو اللذين لا صوت لهم، مروا من هنا. النص الثاني نبرة مختلفة: محقق يبحث في تاريخ هذه الفتاة الغامضة، يكتشف القارئ أنها شابة متزوجة تركت زوجها والحياة معه وهربت. تجد في هذا المقهى حالة عزاء وتعزية. النص الثالث بصوت الفتاة نفسها. ما يجعل هذا النص مثيراً رغم الهدوء الذي يضرب أركانه أنه لا توجد رؤية واحدة للشخصية الروائية. توجد عدة رؤى، والقارئ يقرأ عن شخصية ما من عدة زوايا: من رؤية صديق، من رؤية غريب، من رؤية محقق، وأخيراً من رؤية الشخصية نفسها، مثل جاكلين التي تقص سيرة حياتها مع والدتها من الطفولة إلى الوفاة والزواج والهروب من المنزل. وهكذا يسير النص الروائي. قد تبدو جاكلين شخصية مركزية، لكن ثيمات موديانو المفضلة هي ما يجعل هذا النص الروائي جديراً بالاحتفاء: العودة إلى الذاكرة وشعور الذي وجد صديقاً رائعاً في المكان الخطأ والوقت الخطأ، الدفء الذي يحدث في أوقات استثنائية وغريبة بين الأم والفتاة، مشاعر الندم وعدم القدرة على الحديث. السير على الطرقات والجسور ولحظات التوقف. المقهى ليس مكاناً استثنائياً. ولم يحمل حدثاً قصصياً مركزياً. لكنه جزء من ذاكرة خالدة وحية: عند البعض هو لا شيء، وعند البعض الآخر، هو يحمل تاريخاً ووجوداً، وعالم من القصص والأحلام والذكريات.

رواية الأفق الصادرة عام 2010هي من أجمل ما قرأت لباتريك موديانو، وتقنياته في الأفق تتجلى بوضوح أكثر من أي عمل آخر. إن كان هناك من وصف قصير لهذا العمل فهي قصة رجل يبحث عن حبيبته. لا يوجد شيء آخر يمكن إضافته. لكن أسلوب موديانو هو أساس العمل الروائي. لم أشعر يوماً بأن الأسلوب أو الطريقة قد تكون هي أساس العمل وجماله. لكن موديانو يثبتها هنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن الأسلوب والشكل الروائي قد يحمل من وراءه رؤى وتصورات تختلف عن الأسلوب والشكل الكلاسيكي المتعارف عليه. السرد ينطلق على لسان بطلي العمل: جون بوسمان، ومارغريت لو كوز. الزمن الروائي في الأفق مثل موج يتبعه موج آخر، انتقالات زمنية سريعة للغاية أساسها الذكريات والمشاعر والسير على الطرقات، لكنها محكومة بلغة هادئة، شعرية ممسكة بمسار السرد الروائي الذي يسير بصورة خلابة وبديعة. أجمل قصص الحب هي تلك التي لا تشعر معها بأنك أمام قصة حب على أرض الواقع. قد تظن بأنها قصة صداقة رائعة، علاقة مثالية يندر أن تحدث. وقد تكون قصة حب. لكن لا وجود لأي ذكر لكلمة حب. هذا ما أحببته في رواية الأفق. انتهيت من قراءة العمل وأنا أشعر بأني أقرأ علاقة صداقة فيها من الطرافة والحب الشيء الكثير، وشعرت كذلك بأني أقرأ عن قصة حب جميلة وعذبة.

Posted in أدب فرنسي | 2 تعليقان

في الأعالي!



شيئان يملآن الوجدان إعجاباً وإجلالاً يتجددان ويزدادان باستمرار كلّما أنعم الفكر التأمل فيها: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي داخلي.
إيمانويل كانت.

بعد أن خرج أوسكار وايلد من سجنه، لم يكتب أي عمل أدبي. فقد كل المصادر والأفكار التي كانت تعطيه القوة الدافعة للكتابة الأدبية. لكن، هناك استثناء وحيد: المعاناة التي تمثلت له في السجن أوحت له بكتابة قصيدة تحت اسم ريدنج جاول. قصيدة طويلة مقسمة على ست مقطوعات هي أجمل ما كتب أوسكار وايلد من قصائد. لم يتحدث في القصيدة عن الحب، أو عن الحياة، أو عن امرأة، بل كان يتحدث عن موت قادم. يقص بلغته العظيمة قصة رجل أمن قتل زوجته التي يحب، وحكم عليه بالإعدام. يصف اللحظات والاختلاجات التي يشعر بها السجين الذي يعيش ليلته الأخيرة في السجن. أوسكار وايلد وجد في هذا الموضوع القصصي منفذ إلى أن يعبر عن نفسه وهو في سجن ريدنج جاول. إذ ما إن ينتهي من قصة الرجل المحكوم بالإعدام حتى يصف الحياة في السجن؛ المبنى الذي صنع من القهر والعذاب، والزمن الذي يدور في تكرار أبدي مهلك. لكن، هناك نغمة واحدة في القصيدة تتكرر في كل القصيدة:

لم أرَ أبداً رجلاً ينظرُ
بمثلِ هذه النظرةِ الحزينة
يتطلعُ ناحيةَ الخيمةَ الزرقاء الصغيرة
التي يدعوها المساجينُ السماء.
يتطلعُ في كلِ سحابةٍ عابرةٍ
تمرُ بأشرعتها الفضيّة

السجين في القصيدة حزين للغاية. لكن، ما الذي يجعله يتطلع إلى السماء بمثل هذه الصورة؟ هل هي المكان الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن يطلق عقله وفكره وروحه؟ هل يناجي الله بأن يرحمه ويخفف عنه ألم الموت؟ هل تحمل السماء فكرة جمالية لانهائية تبقيه بعيداً عن كل المهازل والكوارث التي تحدث على الأرض؟ ما إن انتهيت من قراءة هذه القصيدة الرائعة حتى تساءلت: لماذا هذا التكرار لمفردة السماء وما تمثل في القصيدة؟ تجاوزت السؤال، إذ بدأت تظهر لي صور كثيرة أحملها في الذاكرة عن السماء. من المتعذر أن تقرأ أي نص أدبي دون أن ترد مفردة السماء ولو لمرة واحدة. لكن، هذه السماء، ما هي أهميتها في النص الأدبي؟ كيف ينظر إليها الروائي في كتاباته؟ هل يذكرها لمجرد الوصف، أن يصف الشكل والألوان وأجواء السماء الصافية والمتقلبة، أم أن هناك صور أخرى غير تلك التي تظهر في الوصف الطبيعي؟ هناك صور بديعة للسماء في الأدب. بدلاً من أن تكون السماء محصورة في جانبها العلوي وكشكل لا نهائي، أضحت صورة تعبر عن المكنون البشري، تعبر عن رغباته وآماله، وتحمل بعضها فكرة جمالية، بل أن بعض النصوص الأدبية لا تكاد تذكر كلمة السماء أو تشير إليها، لكن بعض التصرفات البشرية من حيث هي أرضية فهي تشير وتتجه إلى السماء وتعبر عنها بشكل غير مباشر.
أكمل القراءة

Posted in فيكتور هيجو, مقالات, تولستوي | 4 تعليقات

بورخيس: سبع ليال


أعتبر نفسي قارئاً في الأساس، وقد تجرأت كما تعرفون على الكتابة؛ ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته. فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، وإنما ما يستطيعه.
خورخي لويس بورخيس.

قبل سنوات قليلة، كانت قراءة قصص بورخيس القصيرة أشبه بالسحر؛ بصورها الغريبة وأشكالها التي لم أقرأ مثيلاً لها من قبل. قصة على شكل مقالة نقدية، قصة تبدو وكأنها تقرير، قصة لا تبدو وكأنها من عالم القصص، قصة على شكل مراجعة للتاريخ، وما يجمع بين هذه القصص هي الثيمات المفضلة لبورخيس: اللانهاية، المرايا، النمور، التاريخ، المتاهة، وغيرها من الرموز والثيمات التي يستخدمها ببراعة. بورخيس بعوالمه القصصية يُدخل القارئ معه في رحلة سحرية فكرية قل أن توجد في عمل أدبي قصير. في كتاب الرمل يظهر للقارئ كتاب ليس له نهاية، رغم محدودية حجمه: إن فكرت بقراءته لن تنتهي، إن فكرت بحرقه قد يحرق المكان ويختنق العالم بدخانه، فكيف يمكن التصرف معه؟ قصة بحث ابن رشد يبحث من خلالها مشكلة في الترجمة من خلال شخصية ابن رشد، حين كان يترجم كتاب لأرسطو: كيف لابن رشد أن ينقل التراجيديا والكوميديا التي وردتا في مؤلف أرسطو إلى العربية؟ حين يكتب تشعر بأنه متمكن من مادته السردية حتى لو كانت بعيدة عن ثقافته ولغته، وكم من قصة كتبها كانت من خلال التاريخ وثقافات وشعوب أخرى لا يشاركهم إياها ممارسة لكنه يتحاور معها ويقرأ عنها الكثير مثل قصة المقنع، حكيم مرو الذي يتناول فيه شخصية المقنع الخرساني اعتماداً على مصادر تاريخية، منها مراجع في التاريخ الإسلامي. قصص عديدة لبورخيس لا يخرج منها القارئ إلا ويشعر معها بأثر شبيه بالسحر، مثل قصة الآخر التي تتحاور فيها شخصيتان: بورخيس العجوز، وبورخيس الشاب.

قبل أيام قليلة قمت بإعادة ما كنت قد قرأته قبل سنوات من أعمال بورخيس، لكن هذه المرة بتوسع أكبر: أن أقرأ القصص والمقالات وبعض القصائد والمحاضرات، أي أن أقرأ غالبية أعمال بورخيس كما أحب بورخيس أن يكتب: قاصاً وشاعراً ومحاضراً وكاتب مقالة. لا أفقد كثيراً من متعة القراءة حين أعيد قراءة الأعمال الأدبية. هناك أعمال أدبية وروائية ضخمة أعدت قراءتها ولم أفقد شيئاً من لحظات المتعة التي صادفتها في القراءة الأولى. بل إن القراءة الثانية تعطيني أشياء لم أستطع أن ألمحها وانتبه إليها في القراءة الأولى. لكن، مع بورخيس كانت القراءة مختلفة. القصص التي قرأتها مرة ثانية لم أشعر بمفعول القراءة الأولى. قرأت قصص أخرى لم أقرأها في القراءة الأولى ولم أجد صدى للقراءة الأولى والمفاجأة وتأثير بورخيس السحري، بل كنت أتوقع ثيمات بورخيس قبل نهايتها. لماذا حدث مثل هذا التأثير: عدم المفاجأة، عدم الإعجاب كثيراً كما قرأتها في المرة الأولى؟ توصلت لرأي مفاده أن قصص بورخيس لا تقرأ إلا مرة واحدة أو مرتين في زمن قصير وتنتهي. مفعول السحر ينتهي حين يُكشف للمرة الأولى. شخصيات بورخيس الإنسانية لا يمكن النظر إليها أو الاطلاع عليها من الداخل، لا أشعر بحرارة الدم المتدفق فيهم: كائنات لها شعور ووجدان وحياة، في غالبية قصصه لم أجد شخصية يشعر معها القارئ بالتعاطف أو التساؤل معه أو أن يكون مثيراً للاهتمام، هي شخصيات مسخرة في اتجاه ثيمات بورخيس الأساسية ومعبرة عنها: اللانهاية، المرايا، الآخر، الدوائر، المتاهة. هذا الرأي لا يقلل من قيمة أعمال بورخيس وبراعتها. لكنها تصلح كقراءة أولى، يدخل فيها القارئ عوالم بورخيس السحرية، ثم يختفي الأثر الذي يحدثه بورخيس باختفاء مفعول السحر الذي يغلف فيه بورخيس قصصه القصيرة.
أكمل القراءة

Posted in أدب أمريكا اللاتينية | 6 تعليقات

دوائر


لم يجد مكة في مكانها

الروائي أحمد الحقيل في عمله الروائي الثاني لا يمهد ولا يستهلك صفحات في تقديم أبطاله أو يقوم بتهيئة القارئ لهذه الرحلة الروائية، بل من السطر الأول والحرف الأول مباشرة يجد القارئ نفسه في رحلة التيه مع الأب ضاري وابنه إبراهيم في رحلتهم من المجمعة إلى مكة. رحلة لا تشبه أي رحلة، حيث ينقلب فيها الزمن وينثني، فيعود سنوات إلى الوراء ثم يتقوم فيتقدم الزمن سنوات إلى الأمام.

التغير في الزمان يتبعه تغير في المكان والعكس كذلك. هذا التغير يفترض وجود أدوات وأساليب في السرد الروائي بحيث لا يظهر هذا التغير أو الانتقال في الزمن وكأنه غير محكم الصنع. لو كان هناك عمل روائي آخر يمكن من خلاله المقارنة في حالة الانتقال في الزمن مع رواية دوائر، ستكون رواية المسلخ الخامس مثال ممتاز. الانتقال الزمني في رواية المسلخ الخامس مباشر وسريع وصادم، بل وأحياناً يصبح شكلاً من أشكال العذاب والقهر-رغم طابع رواية فونجيت السوداوي الساخر، فينتقل الزمن في ثلاثة أسطر عدة مرات. الانتقال الزمني في رواية دوائر تفرضه طبيعة الجزيرة العربية ورحلة التيه والضياع لأبطال الرواية. وهناك أمر آخر يجعل من هذا الانتقال الزمني مؤكداً وحقيقياً، وهي الأحداث الشهيرة التي حدثت في تلك الأزمنة. حين يتغير الزمن في دوائر فهو يتغير من تلقاء ذاته ويرجع إلى الوراء دون معرفة ويقين من أبطال الرواية. الشخصيات تتفاجأ، لكنها لا تستمر في حالة المفاجأة بل تتعاطى معها كحقيقة مؤكدة، ويعطي الروائي صورة ولمحة عن الحدث ثم يستمر في رحلة التيه إلى مكة.
أكمل القراءة

Posted in أدب عربي | أضف تعليقاً

بدم بارد


قوة الأدب الروائي وتأثيره يرتكز على عدة مقومات، لعل من أهمها أن لا قانون يحكم الرواية. لا توجد مدرسة رسمية أو نظام حاكم يحكم شكل الرواية وطريقتها والأسلوب. منذ اللحظة التي نشر فيها ثربانتس قصة الفارس ذو الطلعة الحزينة في القرن السابع عشر لا تزال الرواية تجد طريقاً لها في مدراس جديدة: الرومانتيكية والواقعية الاجتماعية والنقدية والطبيعية والواقعية والسحرية، تيار الوعي وغيرها من المدارس الرواية. وكل اتجاه من هذه المدارس كذلك لا يحكمه نظام داخلي، الأمر برمته بيد الروائي ونظرته وطريقته في الكتابة الروائية. والحكم الأخير في ذلك سيكون للقارئ.

حين بدأ إميل زولا الكتابة الروائية، كان يحلم بأن يكتب عمل ملحمي يقص تاريخ فرنسا ذلك الوقت. كان زولا متأثراً بمعلمه بلزاك في هذه الأعمال الملحمية. لكن زولا سيتخذ طريقاً آخر غير معلمه. وهو ما عرف لاحقاً بالمدرسة الطبيعية؛ مصوراً كل ما تقع عليه عيناه كما هو، دون تجميل: أن يصور الشوارع والناس وتصرفاتهم دون ممارسة أي نوع من التأثير تغير من الصورة الطبيعية للحياة والناس. مدرسة زولا كانت مهمة في الأدب الروائي، أصبح شكل الرواية وكأنها كاميرا فوتوغرافية، تصور المشهد وتترك الحكم للقارئ. ليس شرطاً على الاتجاهات الروائية أن تنقض كلياً ما سبقهاً، بل تأخذ من الاتجاهات السابقة الكثير لكنها تضع بصمة جديدة تميزها عن غيرها. من هذه الاتجاهات الحديثة مدرسة الصحافة الجديدة في الولايات المتحدة. لقد أخذت هذه المدرسة من الاتجاه الطبيعي للرواية الصورة الفوتوغرافية الطبيعية للأشياء والبشر بتصرفاتهم وحياتهم. لكنها اعتمدت أسلوباً جديداً قائم على الموضوع والتحقيق والبحث في الأسباب والنتائج. ولعل من أشهر تجليات تيار الصحافة الجديدة هي رائعة الأديب الأمريكي ترومان كابوت: بدم بارد.

في الخامس عشر من شهر نوفمبر 1959م، في قرية هولكومب التابعة لولاية كنساس الأمريكية، تتعرض عائلة أمريكية مكونة من أربعة أفراد لجريمة قتل بشعة. الجريمة حدثت دون وجود ما يدل على أن هناك أسباب لها. لم يكن هناك ثأر، ولم تكن عملية سرقة، ولا يوجد خلافات أو من هذا القبيل. في هذه القرية التي سكانها يعرفون بعضهم البعض في دور العبادة والمقاهي والحفلات، مجتمع فيه من التسامح والتماسك بين أفراده الشيء الكثير: كيف تحدث مثل هذه الجريمة بين أفرادها؟ ومن هم القتلة؟ وماذا يريدون؟ ولماذا هذا القتل المجاني الجماعي؟
أكمل القراءة

Posted in أدب أمريكي, سينمائيات | أضف تعليقاً

صلاة تشرنوبل


جائزة نوبل للآداب ليست مقياس لجودة أعمال الفائز بالجائزة من عدمه. هناك أدباء لم تقترن أسماءهم بالجائزة، ومع ذلك أعمالهم خالدة وحية عند الجمهور القارئ. وهناك أدباء لا يُعرفون إلا بذكر أنهم حاصلين على جائزة نوبل للآداب، ومع ذلك أعمالهم ليست منتشرة عند الجمهور القارئ، أو قد تكون شبه منتشرة، وقد تشتهر أعمال هذا الأديب لحظة الفوز بالجائزة لسنة أو سنتين ثم تطوي أعماله النسيان ويبقى مجرد اسم من لائحة طويلة من الأسماء. والفائزين بجائزة نوبل لا يحملون رؤية واحدة وجودة أعمالهم تختلف. هناك أدباء حصلوا على الجائزة وأعمالهم تشهد على أصالة إبداعهم الأدبي.

كقارئ يحب الاطلاع على أي شيء جديد، أجد أن الميزة الكبرى لجائزة نوبل هي في الفرصة التي تمنحها الجائزة للتعريف بأعمال تستحق الاطلاع عليها، أعمال أدبية ما كان لها أن تشتهر لولا جائزة نوبل. الجائزة بما تحمله من صيت أدبي واهتمام عالمي تسلط الضوء وتلفت الانتباه. في العام 2015 أُعلن عن الفائز بجائزة نوبل، وهي البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفتش. وذكر في خبر فوزها أنها استحقت الفوز بالجائزة نظير أعمالها المتعددة الأصوات التي تمثل معلماً للمعاناة والشجاعة في زماننا. إنها تعمق بأسلوبها الاستثنائي الذي يقوم على تداخل دقيق بين صوت البشر فهمنا لعصر كامل. لقد ابتكرت نوعاً أدبياً جديداً، تجاوز القوالب الصحفية ومضت قدماً في نوع ساعد آخرون في خلقه. إذا خلت المكتبات من أعمالها ستكون هناك فجوات، وهذا يبين مدى أصالتها.

يتضح من خبر فوزها بالجائزة أنها من مدرسة الصحافة. أي أنها ليست روائية أو شاعرة أو كاتبة مسرح. وذلك لا يقلل من قيمتها في حقل الأدب إذ يوجد كم كبير من الروائيين العظام ما كان لهم أن يصلوا إلى هذه الدرجة من الأدب لولا مرورهم وتدربهم على الكتابة في الصحافة. وكذلك فوز امرأة من حقل الصحافة قد لا يكون مستغرباً، إذ أن هناك فائزين بجائزة نوبل لم يكتبوا نص أدبي أو شعري واحد، لكنهم فازوا بالجائزة نظير مكانتهم السياسية.
أكمل القراءة

Posted in وثائقيات, أدب روسي | أضف تعليقاً