يا يبه

يا يبه

منذ تلك اللحظة التي صمت فيها ولم تعد تتجاوب معنا، منذ تلك اللحظة، قبل شهر على وجه التحديد، حين رحلت إلى الله، فقدتك، وفقدت جزءًا كبيراً من حياتي وكياني معك. اكتب إليك وأنا موقن بأن صوتي لا يصل إليك. لكني اكتب في محاولة لأن احتفظ بك في ذاكرتي وعقلي، في تاريخي وحياتي. اكتب وأقص عنك وأخاطبك لأبكي يا يبه. أنا الذي ظننت بأني قادر على تلقي صفعات الحياة والقدر، وأستطيع تحمل الشدائد والعظام، ما إن أسمع حديثًا عنك، أو أشاهد صورة لك، أو أحمل أشياءك العزيزة على قلبك، حتى أفقد السيطرة على نفسي، وأبكي. أبكي حبا لك، وشوقا لك، وحزنا على فقدك وفراقك.

حين أنظر يا يبه إلى سيرة حياتي القصيرة هذه، أجد تفاصيلك الحية في كل نقطة مركزية منها. كنت تؤدي دورك كأب يرعى ابنه، يسهر عليه، يداويه، يقف معه، ولا تنتظر الشكر والعرفان. كان هذا دورك الذي كتب لك، ولم تعرف أن دورك كأب ووالد كان ساحقا ومؤثراً. لم أعترف لأحد من قبل، حتى لك، لم أعترف لك بذلك. لكني أشهد بذلك، أنك، في تلك اللحظة التي شاهدتني فيها قد قاربت على السقوط الهائل، كنت أنت من أمسك بي، وانتشلني، وأنقذني، كنت أنت من أشعل فيني شرارة الأمل، أن أكون إنسانا جاداً يستطيع أن يفعل، ويعيش، مثلما فعلت وعشت حياتك العظيمة.

ظننتك خالداً يا يبه. طوال سنين عمرك الثمانين، كنت أظنك ستكون خالداً. كنتَ عظيما في حياتك. عشت يتيما في طفولتك. لكن ذلك لم يمنعك أن تعيش الحياة بكامل تفاصيلها الحيّة والرائعة. لم يكن لأحد فضل عليك، إلا الله. حوّلت كل ما كان سيئا ومحبطا إلى شيء سعيد ورائع. لم تكن تحلل الحياة وتفكر فيها كثيراً، كنت تفضل الإنطلاق والعمل مباشرة، أن تفعل، لتعيش. امتلكت محلاً تعمل فيه، لم يعلمك أحد الحرفة التي تحب. أنت من علمت نفسك، وكنت معلما في صناعتك الخاصة. غير أن هناك شيئا واحداً أعدّه أعظم ما في حياتك يا يبه. شيئا عظيما، يجعلني أتساءل غير مصدق: كيف كان لك القدرة الهائلة على أن تصفح عمن ظلمك؟ أن تصفح وتغفر لمن صادر ما هو حق شرعيّ ثابت لك؟ كنت تحكي لنا تلك الحادثة مراراً في طفولتنا. وتوقفت عن قولها عندما كبرنا، وبعد أن توفى كل من ظلمك وصادر حقك. كنت تشعر بمرارة الظلم الواقعة عليك، لكن، في عمرك الستين، قررت أن تغفر وتمضي في حياتك الممتدة أمامك يا يبه.

هل كنت تعرف يا يبه ما الذي كان يجري طيلة هذه السنوات الثلاث الماضية؟ ظننت بأنك تعرف، لكن الواقع الذي تم الكشف عنه في رحلة مرضك الأخيرة، أنك غير موقن بما جري يا يبه. تحوّل نظام بيتنا إلى حياة طوال الأربعة والعشرين ساعة دون أي راحة. منذ أن فقدت القدرة على السير، وأنت لا تستطيع أن تنام ساعة كاملة متواصلة. طوال هذه السنوات الثلاث كلها. كيف استطعت تحمل هذه الحياة دون أن ترتاح ولو لساعة واحدة كاملة؟ كان ضيق التنفس حجر عثرة في طريق حياتك. حطّم صدرك، لكن قلبك وروحك كانت كما هي. وأمي يا يبه قصة أخرى. مهما كتبت عنها لن أوفيها حقها. لم تستطع النوم كذلك لثلاث سنوات متواصلة، كان نومها متقطعا. وكيف ينام المرء وأنت تنادي كل ساعة، كل نصف ساعة، كل عشر دقائق. كان ذلك النداء ينطلق في الفجر، في العشاء، والمغرب، وكل وقت. تناوبنا أنا وأختي وأمي عليك يا أبي طيلة هذه السنين. وحين تأتي أيام الاجازة، أبقى بقربك، وأطلب من أمي أن ترتاح لساعات علّها تهنأ فيها.

منذ شهرين، ذهبت يا يبه في نوم عميق. لم نصدق أنك نمت لعدة ساعات متواصلة، كان ذلك شيئا استثنائيا،ً لكنه الاستثناء الذي لا مثيل له. كنت تستيقظ عندما ننادي عليك، لكنك لا تعرف حينها ماذا يجري، وترجع إلى غفوتك. ذهبنا بك إلى المستشفى، وهناك، بدأت معركتك الأخيرة مع التنفس ونقص الاكسجين. كانت معركة طاحنة امتدت لثلاث سنوات، كنت تقاسي فيها الضيق وعدم الراحة، والشعور بالتعب والارهاق. انتهت المعركة بإدخال أنبوب التنفس في جسدك. لم أستطع تخيّل جسدك وأنت في هذه الحال. كنت أراك دائما قويا،ً تحمل من مصاعب الدنيا الشيء الهائل، فكيف لك أن تكون على هذه الحال التي لا تنتمي لطبيعتك. من هذه اللحظة يا يبه لم تعد لديك القدرة على الكلام. ذهبت في غيبوبة عميقة. غيبوبة حرمتني أن أسمع صوتك ولو لمرة واحدة. كنت أريد أن اسمع صوتك ولو لمرة واحدة فقط، أن تقول ما تشاء، أي شيء، فقط أن أسمع شيئا من صوتك الذي أعرف وتربيت عليه. ذلك الصوت الجهوري الذي يحفر في الذاكرة. كيف يمكن ألا أسمع ذلك الصوت القوي الهادر الذي لا يجد المرء مفراً من أن يطيع وينصاع له؟ تخبرني الطبيبة المناوبة عنك، تقول إنك كنت تنادي بعدة أسماء قبل أن تغفو. كان من بينها اسمي: ممدوح. ليتني كنت هناك لأسمع الأسماء، أحتفظ بها إلى أن أموت. لكنك رحلت ولم أسمعها منك.

في الأسبوع الثاني لغيبوبتك، حضرتُ لزيارتك. كانت أمي- كما هي دائما – معك، بالقرب منك. تقرأ عليك، وتمسح على رأسك. أمي قوية، لكني كنت الضعيف حينها يا يبه، وبكيت عليك. بكيت على حالتك، وتلك الأجهزة الموصولة بك من كل جانب، تمدّك بالحياة. تقول لي أمي: اذكر الله، واحمد الله على كل حال. وادعُ له. طلبتْ مني حينها أن أقوم بالاعتذار إليك، وأن استسمح منك. قرّبت رأسي نحوك، وأمسكت رأسك بيدي اليمني. قرّبت فمي علّك تسمعني. وحين هممت أن أقول إني آسف على كل شيء، كل شيء فعلته، حتى لو كان جيداً، ضاعت الكلمات تماما. لم أستطع أن أعتذر إليك، لم أستطع قول شيء، ليس لأنه ليس هذا وقت الاعتذار، بل لأن قلبي تلك اللحظة كان لا ينبض إلا بحبك. كنت هائما بك، وحزينا وخائفا عليك.

في اليوم الأخير لك في هذه الدنيا، زرتك. كنتُ مثقلاً بالألم يا يبه. التنفس يحاصر جسدك. والدم أصبح سائلاً، متسمما،ً بصفائح قليلة. لكن، كنتُ سعيدا لأنك لا تشعر بشيء يؤلمك أو يضيّق عليك راحتك. لم أستطع الاقتراب منك. الأجهزة عليك من كل جانب. ونبضات قلبك بدأت تضعف. قال الطبيب إنه مع أي انخفاض جديد في نبضات القلب، ستكون الفرصة نادرة. وأضاف معتذرا: قمنا بكل شيء، والأمر بيد رب العالمين. هممتُ أن أقبّل رأسك، لكن لم أستطع، لا يوجد منفذ إليك. قبّلت صدرك، واحتضنته، وغادرت. كانت أختي بالقرب منك. تقول لأمي: إن ممدوح قبّل والده وكأنه يودعه. لم أودعك يا يبه حقيقة، لأني لا أستطيع تخيّل كيف أودعك.

في الرابعة فجراً يا يبه، نادتني أمي. كنت أحاول النوم ولم أستطع. وحين التفتّ لأردّ عليها، اكتشفتُ أنها غادرت. هل كان حلما أم حقيقة؟ ذهبتُ لأستطلع الأمر، يقينا بأني سمعت أمي تناديني. وحين ذهبت عدة أمتار وجدتها واقفة. ما الأمر؟ لم أرَ أمي بهذه الحالة من قبل يا يبه. كنت أسال: ما الأمر؟ ما الذي جرى؟ كانت تبكي بكاءً صامتا،ً لا تريد أن تخبرني بحقيقة ما جرى بصورة مفزعة. أمسكتُ بها بقوة وسألتها مرة أخرى بصوت أعلى عن الذي يجري، لم تجاوبني يا يبه. بكت تلك اللحظة. بكت بحرقة، وهي تقول بصوت متقطع: أبوك. عرفت حينها حقيقة الأمر، لا داعي للتفسير. احتضنتها، أحاول تهدئتها. غير أنها كانت البداية الحقيقية للبكاء، للفقد، لفقد الأب والزوج والروح الخالدة التي كانت تظلّ هذا البيت وتسكن فيه.

ذهبت إلى المستشفى. انتظرتُ في الخارج ساعة كاملة قبل أن يُسمح لي بالدخول. صعدت إلى غرفة العناية المركّزة، حيث يرقد جثمانك. كانت أختي وعمي هناك. وحين شاهدت جسدك المغطى بكيت يا يبه. رأيتك الليلة الماضية، وها أنا أراك مغطّى. كشفت عن وجهك، وقبّلت رأسك مرات عديدة، وبكيت على صدرك. كان وجهك يفيض بالألم الذي قاسيته سنوات طوالا، لشهرين ماضيين، حاصرتك مختلف أنواع الأمراض، انقضّت عليك واحدا تلو آخر. أيقنت أن هذه هي الحقيقة، أنك غادرت إلى جوار ربك.

من نعم الله علي يا يبه، أني رافقت جسدك منذ أن رحلت إلى جوار ربك حتى منزلك الأخير. كنت أنا الوحيد من أبنائك الذي رافقك فيها، كل دقيقة، كل ثانية. لم أتركك. أخذتك إلى المسجد. وطلبت منهم أن ينتظروني، سأكون أنا من يقوم بتغسيلك وتكفينك. وحين رأيتك ممداً يا أبي، كنت سعيداً. سعيداً وفرحا. رأيت جسدك الذي يتحمل الآلام، رأيت جسدك القوي، رأيته وكأنّ الحياة قد عادت إليه. انتصر عليك المرض في الحياة، لكنك انتصرت عليه في الموت. وها أنا أشاهد بياض صدرك، ووجهك الذي أعرفه، قويا وعظيما. اتصلتُ على أمي وكل أخوتي. طلبت منهم أن يأتوا لرؤيتك ويسلّموا عليك. حضروا كلهم. وقفتُ فوق رأسك، أحاول أن أواسيهم لفقدك. كنت أحاول أن أشد أزرهم، قائلا إنك بين يدي رحمة الله، وهذه الأقدار التي سنسير إليها. لكن كيف يمكن أن تهدّئ من روع أهلك على فقد رجل هو أبوك؟ كانت أمي أول من شاهدك. قبّلت رأسك واحتضنتك. بين القبلة والأخرى كانت تعتذر على ما فعلت. تعرف أمي جيداً يا يبه. لقد تحمّلت وقاست الكثير معك، في مرضك. لكنها الأم والزوجة المحبة، تعتذر وتتأسف وتحلل الزوج والحبيب والراعي. ومروا تباعا إخوتي الباقون. منهم من ارتمى على صدرك، منهم من أمسك بقدميك، وكأنه يريد الاحتفاظ بها، يقبلها بين الفينة والأخرى. ولا زلت واقفا فوق رأسك، أحاول تهدئة من تعرضوا للفقد.

كنت متماسكا وقويا. وحين انتهوا طلبت منهم المغادرة، جميعا. لا أريد أن أودّعك وهم موجودون. كنت أريدك لوحدي. وحين غادروا، صغارً وكباراً، ارتميت عليك يا يبه. ألقيت بكامل قواي على جسدك، على رأسك وصدرك. بكيتُ كثيراً. ولو كان الوقت طويلاً، لبقيت هناك أطول. لو كان البكاء مقدّسا،ً فسيكون تلك اللحظة. لم أبكِ يوما على فقد أحد مثل فقدك. ولم أحزن على حدث مثل حزني على موتك. كنتَ نعم الأب، ونعم الزوج، ونعم العم، ونعم الجد.

منذ أن سكنت في منزلك الأخير في هذه الدنيا، وأنا بين فينة وأخرى أذهب إليك. أصلّي عليك، أسلّم عليك. أتحدّث معك، على أمل أن يكون هناك طريقة كي تسمعني. أخبرك فيها بما يجري وما يحدث. أخبرك أن فقدك وغيابك كان هائلاً وموجعا. أن الجميع يتسابق على صورك الشخصية والاحتفاظ بها. أخبرك بأننا نتقاسم الحديث عن حياتك، عن أفعالك. أخبرك عن أمي التي تترضّى عنك وتدعو لك كل وقت. أحدّثك عن بناتي، حفيداتك: ديمة وسارة. كلما مر اسمك وذكرك لا أجيب إلا دامعا. أعرف منزلك الأخير جيداً يا يبه. حين فرغنا من دفنك، خشيت أن تضيع من بين زحمة القبور. فأخذت شماغي الذي أرتدي، وقمت بربطه على شاهد قبرك. وكأني أحب أن يرتبط شيء ما خاص بي، بمنزلك الأخير في الدنيا يا يبه.

أحبك يا يبه. الله يغفر لك ويرحمك.

ممدوح

Advertisements
نُشِرت في يوميات | 3 تعليقات

حذار من الشفقة


قد يكون هناك اختلاف حول مركز ستيفان تسفايج في فن الرواية، وهل هو روائي مبتكر من الصنف الأول من الروائيين العباقرة الذين أحدثوا تأثيراً هائلاً في مسار الأدب في القرن العشرين، أم هو من صنف آخر لم يحدثوا تأثيراً هائلاً، لكن استطاعوا أن يقدموا أدباً متميزاً لا تكاد تلمح منه أي سلبية. تسفايج يصعب تصنفيه. فهو كاتب متعدد في اتجاهاته الأدبية، ويرجع ذلك التعدد إلى عشقه للفن والأدب والتغيرات الكبرى التاريخية وحياة الأدباء والفلاسفة. يذكر في سيرته في كتاب عالم الأمس بما معناه أن أروع لحظات حياته عندما شاهد خادمة غوته، العين التي شاهدت غوته العظيم شاهدها. إذا كانت رؤية فرد شاهد أديب آخر يحبه الكاتب، فكيف هي نظرة تسفايج للأدب والفن؟ تسفايج في المقام الأول قارئ، ومن كبار قراء القرن العشرين بلا جدال، ومفكر نقدي، يكتب النقد الأدبي عن عشق وحب للأعمال الأدبية. لا يكتب لمجرد الكتابة النقدية، بل يكتب وهو مستوعب لما يريد الكتابة عنه ويفهم كل مداخل ومخارج المادة التي تتعرض للنقد الأدبي. فهو حين يكتب عن بلزاك فهو يقرأ كل أعماله الروائية والقصصية، ثم يكتب عنه لا بروح الناقد الذي يبحث عن الزلات أو الأخطاء، ولا هو بالناقد الذي يغرق في مصطلحات وأساليب لا تكاد تفهم منه شيئاً، هو يكتب كقارئ عاشق لبلزاك، يريد أن يشاركه الآخرين ما وجده من فن وإبداع قل أن يتكرر في أعمال الملاحم الإنسانية الأدبية. وهو كذلك كاتب متخصص في سير بعض الأدباء والفلاسفة. ما يجمع كل هذه الفروع من الكتابة هو الفن، الفن الذي يضرب في الروح. وستيفان تسفايج إن لم يكن عبقرياً مؤثراً مثل كافكا أو جويس، فهو فنان عصره، العصر الذي امتد قبل بداية القرن العشرين إلى منتصفه.

أي أدب، مهما كان تاريخه وثقافته لا يخلو من الكتابة عن الحب، يكاد يكون أمراً فطرياً مشتركاً بين كل الثقافات والاتجاهات. لكن ما يميز كل كاتب عن الآخر هو في طريقة كتابته عن الحب: تصوراته عنه ورؤيته وتأثيراته الممتدة. يمر في ذهني عدة مؤلفات عن الحب: من ستندال في كتاب الحب إلى المؤلف الاسباني خوسيه أورتغا في كتاب دراسات في الحب، إلى كيركيجارد في أعمال الحب وابن حزم في مؤلفه طوق الحمامة، ورسائل أبلار وإلوزا البديعة.
هل يجب أن أقرأ دراسة ما أو تحليل لعدة أعمال أدبية حتى يقدم مؤلف ما تفسيره للحب: ظاهرة وشكلاً وتصوراً وتأثيراً؟ كل فرد في هذه الحياة مر بتجارب عديدة في الحب يصعب حصرها وتفسيرها إذ تختلف في ظروف نشأتها، واتجاه هذا الحب، وهل هو حب دائم حجز له في القلب مكاناً أم هو عابر لا يكاد يسجل له أثر في الذاكرة. والحب تجاه الطرف الآخر يختلف: من هو الطرف الآخر الذي تحب، وماهي نوعية العلاقة ودرجة القرب والبعد منه، وهل هي علاقة حب فطرية أبوية أم هي تلك العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة؟ والصداقة التي تكاد تكون مثالية للغاية ورائعة، هل الحب هو الأساس في هذه العلاقة؟ وما هي درجة هذا الحب، إذ لا يمكن تصور الحب صورة واحدة، بل عدة صور يصعب حصرها، وكل صورة منها يحمل معه التأثير الخاص به.

الرواية لا تفسر الحب، بل تقدمه كما هو، وحين الحديث عنه يكون هدف الروائي منصباً على درجة العمق والاتساع والتأثير والسبب والنتيجة وإلى أين سيؤدي. تولستوي في آنا كارينينا لم يفسر لنا العلاقة، بل أظهر التأثير لعلاقة الحب التي جمعت بين أبطال الرواية وكيف انتهت كل علاقة أو بمعنى أصح إلى أين اتجهت هذه العلاقة، إذ لا يوجد نهاية للحب.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب ألماني | 2 تعليقان

شاعر الطب أو بخير على نحو خطر.


القراءة في بعض حقول المعرفة مثل الطب والفلك والعلوم تكون على الأغلب موجهة لمن يريد القراءة والتبحر في هذه العلوم بشكل خاص. وكلما تعمق المؤلف في تخصصه وطرحه العلمي تقل عمومية الطرح العلمي لتكون خاصة بمجموعة محددة من المهتمين. المؤلف لا يسعى إلى إضافة المتعة، أو أن يجعل المتعة مترافقة مع الطرح العلمي. من هو مهتم حقاً وتجذبه الحقول المعرفية التخصصية لا يبحث عن المتعة لأن ما يبحث عنه هو ما يمتعه حقاً. لكن؛ من قال بأن مثل هذه المجالات المعرفية لا يمكن بأن تتضمن المتعة والإثارة؟ قبل عدة سنوات قرأت كتاباً علمياً من أجل التغيير وقراءة نوع آخر مختلف من الكتب، وكانت تجربة ناجحة ومدهشة. كانت مصادفة رائعة بأن بعض الكتب العلمية تحمل الدهشة والمتعة والإثارة، وتحمل جاذبية النصوص الأدبية. وحتى اللغة المكتوبة أحياناً، يجنح المؤلف ويترك علميته ليكتب عن موضوعه بلغة شعرية بديعة

عالم الأعصاب والطبيب البريطاني أوليفر ساكس هو أروع مثال لمن جمع بين العلم والشعر في آن واحد. يضمن في طرحه بأن القارئ المهتم بعلوم الأعصاب والحالات المرضية سيجد أمثلة وحالات في تاريخ وأمراض علوم الأعصاب؛ أهداف ورؤى طبية وحالات مرضية يسعى إلى طرحها وتوثيقها ومناقشتها. يطرحها كمستكشف في حقل علمي هائل. ومع ذلك: هذه الرؤى والحالات الطبيعة فيها من السحر والتأملات الأدبية والفلسفية ما يجعل مؤلفاته نصوص أدبية تنافس في قوتها أعتى المؤلفات الأدبية التي حاولت أن تفسر شخصية الإنسان وسبر أغواره. لغة المؤلف علمية في طرحها، لا تكاد تمر صفحة من مؤلفاته دون أن يذكر عدة مصطلحات طبية ومرضية قد لا يفهمها إلا الطبيب أو المتدرب في الحقل الطبي. لكن هذه المصطلحات جاءت بقوة أدبية وطرح يميل لأن يكون شعراً. لا يتناول المريض أو الشخص كحالة أو رقم، بل هو إنسان له جذور وذاكرة ووجود وتاريخ. كل حالة مرضية في مؤلفات ساكس هي قصة قصيرة. المرضى هم الأبطال. وقوة النص الأدبي وتأثيره لا تأتي من تأثيرات المرض والحالات العصبية التي تجعل المريض في حالة صعبة، القوة والبطولة هي الحياة التي يعيشها المريض؛ كيف استطاع أن يحيى بذاته في هذا العالم المتلاطم الأمواج وقد فقد القدرة على التذكر أو الحركة أو أي نوع من أنواع الفقد والضياع، أي ملاذ وجده المريض واستمر في حياته سنين طوال مع المرض.

قرأت للمؤلف ثلاثة كتب: كتاب أريد ساقاً أقف عليها، وكتاب الرجل الذي حسب زوجته قبعة، وكتاب الموسيقى والدماغ.
إقرأ المزيد

نُشِرت في كتب علمية, أدب أمريكي, أدب إنجليزي | 7 تعليقات

باتريك موديانو أو أدب الذاكرة



في عام 2014 أعلنت الأكاديمية السويدية منح جائزة نوبل للآداب للروائي الفرنسي باتريك موديانو. لم يكن فوزه مفاجئاً أو متوقعاً. أشار البعض بأن إعلان فوزه بالجائزة أعاد الروائي الفرنسي إلى دائرة الضوء من جديد، داخل فرنسا وخارجها، بعد أكثر من ثلاثين سنة من فوزه بجائزة فرنسية مرموقة للأدب. قالت لجنة نوبل الأكاديمية إن الروائي الفرنسي استحق الجائزة بسبب تمكنه من فن الذاكرة الذي أنتج أعمالا تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم، وكشف العوالم الخفية للاحتلال.

يقال؛ عندما تريد رسم خارطة لدبلن يجب عليك أن تستعين بجيمس جويس، الذي رسم خارطة حية في أدبه للعاصمة الإيرلندية. ويقال: لا يمكن قراءة ومعرفة التاريخ الفرنسي في القرن التاسع عشر دون أن تعرف طباع الناس وحياتهم وأفكارهم من خلال الأديب الفرنسي دي بلزاك. لا يمكن تصور كتابة تاريخ فرنسا دون المرور بكوميديا بلزاك. وأقول: باتريك موديانو هو مسّاح باريس ورسامها الأبرز في الأدب الفرنسي. لا يكتب عنها بعشق كما يكتب فيكتور هيجو، ولا يستغرق في وصف الشوارع في الحدث الروائي كما بلزاك، بل يسير مع الشوارع الباريسية بأزقتها وشوارعها الممتدة ومقاهيها ومعالمها ويجعلها جزء من الذاكرة، توقظ في الفرد شتى المشاعر الإنسانية، ترتبط برؤية وحدث وذكرى وذاكرة. باريس هي أبرز شخصية في أدب باتريك موديانو

باتريك موديانو يتميز بأسلوبه الخاص به في الكتابة الأدبية. القارئ الذي اعتاد على النمط الروائي السائد من مسار متصاعد وقصة مركزية واضحة وشخصيات رئيسية، لن يجد مثل هذا الأمر على الاطلاق في أدب موديانو. الذاكرة الإنسانية الفردية ممتلئة بعالم قصصي هائل. هذه القصص يصعب البوح بها، إذ لا تشكل في مجموعها قصة بالإمكان سردها للناس. لكنها تحتل مكانة خاصة عند أي فرد يحمل بداخله مثل هذه القصص. إنها ترتبط بأشياء عميقة في النفس قد يكون حب، أو كره، أو لا مبالاة، مجرد حدث حفر له مكاناً في الذاكرة الإنسانية. شخصيات موديانو يبحثون في ذاكرتهم عن كل ما يدعم مسيرة حياتهم، أو حتى لإنقاذهم من الانهيار والسقوط. هذا البحث قد يأتي هادئاً إنسيابياً، حدث بسيط أو رؤية أو رائحة أيقظت ذكرى قديمة فتظهر قصة قصيرة أساسها مشاعر الإنسان. وقد يأتي البحث عنيفاً، قوامه البحث عن هوية. الزمن في أدب موديانو مثل أمواج البحر: متقلب، تارة يكون هائجاً ويضرب صخور الشاطئ بعنف، وتارة هادئ؛ بسيط. لا يأخذ وقتاً طويلاً عندما يعود إلى الماضي، إنه يعود ليستلهم شيئاً ما، ليقطف حالة شعورية مغيبة محفورة في الذاكرة، يرجع إلى الحاضر-رغم أنه غارق في لحظة الماضي الشعورية. الجملة الروائية في أدب موديانو مختصرة، نثره يركز على الطرقات والرؤى والذكريات والأحلام.

قبل أن أقرأ لباتريك موديانو تصفحت موقع القراءة قودريدز لأخذ فكرة مبسطة عنه من القراء وكيف ينظر القراء لأدب موديانو. أول ملاحظة لاحظتها أن تقييم أعماله فوق المتوسط بقليل، لم يصل إلى ترك الدرجة العالية من الشعبية. الملاحظة الثانية أن بعض القراء يتساءلون: ما هذا الذي يقوله المؤلف في أعماله: هل هناك إشكالية في ترجمة أعماله إلى لغات أخرى؟ لم أجد شيئاً يدفع إلى القراءة، باستثناء ملاحظة تقول أن موديانو هو وريث مارسيل بروست في كتابة الرواية.

قرأت خمسة أعمال روائية لباتريك موديانو في ظرف شهر واحد. وهي قراءة ما كان لها أن تتم لولا هذا الشغف الذي استولى عليّ بعد معرفة وتذوق أسلوب موديانو في الكتابة الروائية. موديانو يستحق نوبل تماماً. لم يقلد ويسير على النهج الروائي الكلاسيكي، بل خلق له شكلاً أدبياً بديعاً يصح بأن يطلق اسمه عليه. فنان في أسلوبه وتركيباته. القصة لا تنتهي؛ هي عالم من المشاعر والرؤى والنظريات والأفكار.

في رواية شارع المتاجر المظلمة الصادرة عام 1972م، وهي الفائزة بجائزة الغونكور الأدبية الفرنسية المرموقة، تظهر لنا شخصية تعمل في سلك التحقيقات الخاصة، يبدأ بمهمة غريبة وفريدة من نوع مختلف؛ يقرر البحث عن حقيقة نفسه، أن يعرف من هو على أرض الواقع وما اسمه وما هي هويته. شخص فقد الذاكرةـ، تربى عند شخصية أخرى ساعدته على تخطي أزمته العقلية وعمل معه، ثم قرر أن يبحث عن هويته الحقيقية بعد سنوات من الضياع. هذه الشخصية في رحلتها للبحث عن هويتها الحقيقية تسير دون بينة، تحمل دلائل بسيطة تقود إلى مناطق وشوارع وشقق ومنازل وطرق. كل هذه تحمل ذكريات عميقة لا تزول. كل منها يشكل دليلاً حياً أن هناك كائن حي، إنسان قد مر من هنا وشكل جزءاً من ذاكرته. لكن أين هي الذاكرة لرجل يبحث عن ذاكرة؟ عن ماضي لا يُعرف؟ ما إن يتلبس هوية جديدة ويجدها مناسبة له، حتى يفقد أساس وجوده وينتقل إلى هوية أخرى، هوية بعد هوية، ثم ماذا؟ باتريك موديانو لا يبحث عن حل لأزمة بطله. لكنها مثال حي لكل ما يحبه موديانو وما تفضله تقنياته: الشوارع، الذاكرة، الهوية.

في رواية مقهى الشباب الضائع الصادرة عام 2007 نص روائي واحد دون تقسيمات، يحمل عدة أصوات من شخصيات الرواية. كل هذه الشخصيات تقاطعت حياتهم في مقهى يحمل اسم مقهى كوندي أو مقهى الشباب الضائع. وقد يكون هناك شخصية مركزية هي شخصية الفتاة لوكي أو جاكلين. الصوت الروائي الأول يحاول استكشاف الفتاة التي تدخل المقهى من بوابة خاصة بها، فتاة غامضة دون اسم، تأتي في الليالي إلى هذا المقهى. أحد الشخصيات يسجل كل من يدخل إلى المقهى وساعة دخوله. وكأنه يريد حفظ الذاكرة الحية للمقهى والبشر من الضياع. أن يسجل في ذاكرة التاريخ أن شخصاً ما، من المسحوقين أو الهامشيين أو اللذين لا صوت لهم، مروا من هنا. النص الثاني نبرة مختلفة: محقق يبحث في تاريخ هذه الفتاة الغامضة، يكتشف القارئ أنها شابة متزوجة تركت زوجها والحياة معه وهربت. تجد في هذا المقهى حالة عزاء وتعزية. النص الثالث بصوت الفتاة نفسها. ما يجعل هذا النص مثيراً رغم الهدوء الذي يضرب أركانه أنه لا توجد رؤية واحدة للشخصية الروائية. توجد عدة رؤى، والقارئ يقرأ عن شخصية ما من عدة زوايا: من رؤية صديق، من رؤية غريب، من رؤية محقق، وأخيراً من رؤية الشخصية نفسها، مثل جاكلين التي تقص سيرة حياتها مع والدتها من الطفولة إلى الوفاة والزواج والهروب من المنزل. وهكذا يسير النص الروائي. قد تبدو جاكلين شخصية مركزية، لكن ثيمات موديانو المفضلة هي ما يجعل هذا النص الروائي جديراً بالاحتفاء: العودة إلى الذاكرة وشعور الذي وجد صديقاً رائعاً في المكان الخطأ والوقت الخطأ، الدفء الذي يحدث في أوقات استثنائية وغريبة بين الأم والفتاة، مشاعر الندم وعدم القدرة على الحديث. السير على الطرقات والجسور ولحظات التوقف. المقهى ليس مكاناً استثنائياً. ولم يحمل حدثاً قصصياً مركزياً. لكنه جزء من ذاكرة خالدة وحية: عند البعض هو لا شيء، وعند البعض الآخر، هو يحمل تاريخاً ووجوداً، وعالم من القصص والأحلام والذكريات.

رواية الأفق الصادرة عام 2010هي من أجمل ما قرأت لباتريك موديانو، وتقنياته في الأفق تتجلى بوضوح أكثر من أي عمل آخر. إن كان هناك من وصف قصير لهذا العمل فهي قصة رجل يبحث عن حبيبته. لا يوجد شيء آخر يمكن إضافته. لكن أسلوب موديانو هو أساس العمل الروائي. لم أشعر يوماً بأن الأسلوب أو الطريقة قد تكون هي أساس العمل وجماله. لكن موديانو يثبتها هنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن الأسلوب والشكل الروائي قد يحمل من وراءه رؤى وتصورات تختلف عن الأسلوب والشكل الكلاسيكي المتعارف عليه. السرد ينطلق على لسان بطلي العمل: جون بوسمان، ومارغريت لو كوز. الزمن الروائي في الأفق مثل موج يتبعه موج آخر، انتقالات زمنية سريعة للغاية أساسها الذكريات والمشاعر والسير على الطرقات، لكنها محكومة بلغة هادئة، شعرية ممسكة بمسار السرد الروائي الذي يسير بصورة خلابة وبديعة. أجمل قصص الحب هي تلك التي لا تشعر معها بأنك أمام قصة حب على أرض الواقع. قد تظن بأنها قصة صداقة رائعة، علاقة مثالية يندر أن تحدث. وقد تكون قصة حب. لكن لا وجود لأي ذكر لكلمة حب. هذا ما أحببته في رواية الأفق. انتهيت من قراءة العمل وأنا أشعر بأني أقرأ علاقة صداقة فيها من الطرافة والحب الشيء الكثير، وشعرت كذلك بأني أقرأ عن قصة حب جميلة وعذبة.

نُشِرت في أدب فرنسي | 2 تعليقان

في الأعالي!



شيئان يملآن الوجدان إعجاباً وإجلالاً يتجددان ويزدادان باستمرار كلّما أنعم الفكر التأمل فيها: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي داخلي.
إيمانويل كانت.

بعد أن خرج أوسكار وايلد من سجنه، لم يكتب أي عمل أدبي. فقد كل المصادر والأفكار التي كانت تعطيه القوة الدافعة للكتابة الأدبية. لكن، هناك استثناء وحيد: المعاناة التي تمثلت له في السجن أوحت له بكتابة قصيدة تحت اسم ريدنج جاول. قصيدة طويلة مقسمة على ست مقطوعات هي أجمل ما كتب أوسكار وايلد من قصائد. لم يتحدث في القصيدة عن الحب، أو عن الحياة، أو عن امرأة، بل كان يتحدث عن موت قادم. يقص بلغته العظيمة قصة رجل أمن قتل زوجته التي يحب، وحكم عليه بالإعدام. يصف اللحظات والاختلاجات التي يشعر بها السجين الذي يعيش ليلته الأخيرة في السجن. أوسكار وايلد وجد في هذا الموضوع القصصي منفذ إلى أن يعبر عن نفسه وهو في سجن ريدنج جاول. إذ ما إن ينتهي من قصة الرجل المحكوم بالإعدام حتى يصف الحياة في السجن؛ المبنى الذي صنع من القهر والعذاب، والزمن الذي يدور في تكرار أبدي مهلك. لكن، هناك نغمة واحدة في القصيدة تتكرر في كل القصيدة:

لم أرَ أبداً رجلاً ينظرُ
بمثلِ هذه النظرةِ الحزينة
يتطلعُ ناحيةَ الخيمةَ الزرقاء الصغيرة
التي يدعوها المساجينُ السماء.
يتطلعُ في كلِ سحابةٍ عابرةٍ
تمرُ بأشرعتها الفضيّة

السجين في القصيدة حزين للغاية. لكن، ما الذي يجعله يتطلع إلى السماء بمثل هذه الصورة؟ هل هي المكان الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن يطلق عقله وفكره وروحه؟ هل يناجي الله بأن يرحمه ويخفف عنه ألم الموت؟ هل تحمل السماء فكرة جمالية لانهائية تبقيه بعيداً عن كل المهازل والكوارث التي تحدث على الأرض؟ ما إن انتهيت من قراءة هذه القصيدة الرائعة حتى تساءلت: لماذا هذا التكرار لمفردة السماء وما تمثل في القصيدة؟ تجاوزت السؤال، إذ بدأت تظهر لي صور كثيرة أحملها في الذاكرة عن السماء. من المتعذر أن تقرأ أي نص أدبي دون أن ترد مفردة السماء ولو لمرة واحدة. لكن، هذه السماء، ما هي أهميتها في النص الأدبي؟ كيف ينظر إليها الروائي في كتاباته؟ هل يذكرها لمجرد الوصف، أن يصف الشكل والألوان وأجواء السماء الصافية والمتقلبة، أم أن هناك صور أخرى غير تلك التي تظهر في الوصف الطبيعي؟ هناك صور بديعة للسماء في الأدب. بدلاً من أن تكون السماء محصورة في جانبها العلوي وكشكل لا نهائي، أضحت صورة تعبر عن المكنون البشري، تعبر عن رغباته وآماله، وتحمل بعضها فكرة جمالية، بل أن بعض النصوص الأدبية لا تكاد تذكر كلمة السماء أو تشير إليها، لكن بعض التصرفات البشرية من حيث هي أرضية فهي تشير وتتجه إلى السماء وتعبر عنها بشكل غير مباشر.
إقرأ المزيد

نُشِرت في فيكتور هيجو, مقالات, تولستوي | 7 تعليقات

بورخيس: سبع ليال


أعتبر نفسي قارئاً في الأساس، وقد تجرأت كما تعرفون على الكتابة؛ ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته. فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، وإنما ما يستطيعه.
خورخي لويس بورخيس.

قبل سنوات قليلة، كانت قراءة قصص بورخيس القصيرة أشبه بالسحر؛ بصورها الغريبة وأشكالها التي لم أقرأ مثيلاً لها من قبل. قصة على شكل مقالة نقدية، قصة تبدو وكأنها تقرير، قصة لا تبدو وكأنها من عالم القصص، قصة على شكل مراجعة للتاريخ، وما يجمع بين هذه القصص هي الثيمات المفضلة لبورخيس: اللانهاية، المرايا، النمور، التاريخ، المتاهة، وغيرها من الرموز والثيمات التي يستخدمها ببراعة. بورخيس بعوالمه القصصية يُدخل القارئ معه في رحلة سحرية فكرية قل أن توجد في عمل أدبي قصير. في كتاب الرمل يظهر للقارئ كتاب ليس له نهاية، رغم محدودية حجمه: إن فكرت بقراءته لن تنتهي، إن فكرت بحرقه قد يحرق المكان ويختنق العالم بدخانه، فكيف يمكن التصرف معه؟ قصة بحث ابن رشد يبحث من خلالها مشكلة في الترجمة من خلال شخصية ابن رشد، حين كان يترجم كتاب لأرسطو: كيف لابن رشد أن ينقل التراجيديا والكوميديا التي وردتا في مؤلف أرسطو إلى العربية؟ حين يكتب تشعر بأنه متمكن من مادته السردية حتى لو كانت بعيدة عن ثقافته ولغته، وكم من قصة كتبها كانت من خلال التاريخ وثقافات وشعوب أخرى لا يشاركهم إياها ممارسة لكنه يتحاور معها ويقرأ عنها الكثير مثل قصة المقنع، حكيم مرو الذي يتناول فيه شخصية المقنع الخرساني اعتماداً على مصادر تاريخية، منها مراجع في التاريخ الإسلامي. قصص عديدة لبورخيس لا يخرج منها القارئ إلا ويشعر معها بأثر شبيه بالسحر، مثل قصة الآخر التي تتحاور فيها شخصيتان: بورخيس العجوز، وبورخيس الشاب.

قبل أيام قليلة قمت بإعادة ما كنت قد قرأته قبل سنوات من أعمال بورخيس، لكن هذه المرة بتوسع أكبر: أن أقرأ القصص والمقالات وبعض القصائد والمحاضرات، أي أن أقرأ غالبية أعمال بورخيس كما أحب بورخيس أن يكتب: قاصاً وشاعراً ومحاضراً وكاتب مقالة. لا أفقد كثيراً من متعة القراءة حين أعيد قراءة الأعمال الأدبية. هناك أعمال أدبية وروائية ضخمة أعدت قراءتها ولم أفقد شيئاً من لحظات المتعة التي صادفتها في القراءة الأولى. بل إن القراءة الثانية تعطيني أشياء لم أستطع أن ألمحها وانتبه إليها في القراءة الأولى. لكن، مع بورخيس كانت القراءة مختلفة. القصص التي قرأتها مرة ثانية لم أشعر بمفعول القراءة الأولى. قرأت قصص أخرى لم أقرأها في القراءة الأولى ولم أجد صدى للقراءة الأولى والمفاجأة وتأثير بورخيس السحري، بل كنت أتوقع ثيمات بورخيس قبل نهايتها. لماذا حدث مثل هذا التأثير: عدم المفاجأة، عدم الإعجاب كثيراً كما قرأتها في المرة الأولى؟ توصلت لرأي مفاده أن قصص بورخيس لا تقرأ إلا مرة واحدة أو مرتين في زمن قصير وتنتهي. مفعول السحر ينتهي حين يُكشف للمرة الأولى. شخصيات بورخيس الإنسانية لا يمكن النظر إليها أو الاطلاع عليها من الداخل، لا أشعر بحرارة الدم المتدفق فيهم: كائنات لها شعور ووجدان وحياة، في غالبية قصصه لم أجد شخصية يشعر معها القارئ بالتعاطف أو التساؤل معه أو أن يكون مثيراً للاهتمام، هي شخصيات مسخرة في اتجاه ثيمات بورخيس الأساسية ومعبرة عنها: اللانهاية، المرايا، الآخر، الدوائر، المتاهة. هذا الرأي لا يقلل من قيمة أعمال بورخيس وبراعتها. لكنها تصلح كقراءة أولى، يدخل فيها القارئ عوالم بورخيس السحرية، ثم يختفي الأثر الذي يحدثه بورخيس باختفاء مفعول السحر الذي يغلف فيه بورخيس قصصه القصيرة.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب أمريكا اللاتينية | 7 تعليقات

دوائر


لم يجد مكة في مكانها

الروائي أحمد الحقيل في عمله الروائي الثاني لا يمهد ولا يستهلك صفحات في تقديم أبطاله أو يقوم بتهيئة القارئ لهذه الرحلة الروائية، بل من السطر الأول والحرف الأول مباشرة يجد القارئ نفسه في رحلة التيه مع الأب ضاري وابنه إبراهيم في رحلتهم من المجمعة إلى مكة. رحلة لا تشبه أي رحلة، حيث ينقلب فيها الزمن وينثني، فيعود سنوات إلى الوراء ثم يتقوم فيتقدم الزمن سنوات إلى الأمام.

التغير في الزمان يتبعه تغير في المكان والعكس كذلك. هذا التغير يفترض وجود أدوات وأساليب في السرد الروائي بحيث لا يظهر هذا التغير أو الانتقال في الزمن وكأنه غير محكم الصنع. لو كان هناك عمل روائي آخر يمكن من خلاله المقارنة في حالة الانتقال في الزمن مع رواية دوائر، ستكون رواية المسلخ الخامس مثال ممتاز. الانتقال الزمني في رواية المسلخ الخامس مباشر وسريع وصادم، بل وأحياناً يصبح شكلاً من أشكال العذاب والقهر-رغم طابع رواية فونجيت السوداوي الساخر، فينتقل الزمن في ثلاثة أسطر عدة مرات. الانتقال الزمني في رواية دوائر تفرضه طبيعة الجزيرة العربية ورحلة التيه والضياع لأبطال الرواية. وهناك أمر آخر يجعل من هذا الانتقال الزمني مؤكداً وحقيقياً، وهي الأحداث الشهيرة التي حدثت في تلك الأزمنة. حين يتغير الزمن في دوائر فهو يتغير من تلقاء ذاته ويرجع إلى الوراء دون معرفة ويقين من أبطال الرواية. الشخصيات تتفاجأ، لكنها لا تستمر في حالة المفاجأة بل تتعاطى معها كحقيقة مؤكدة، ويعطي الروائي صورة ولمحة عن الحدث ثم يستمر في رحلة التيه إلى مكة.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب عربي | أضف تعليق